,

المدن العائمة: هل نضطر للعيش على سطح مياه البحار في المستقبل؟


مجموعة من مليارديرات التكنولوجيا و المعماريين والحالمين يأملون في بناء أحياء سكنية مدن مستقلة فوق سطح البحر، لكنهم قد يواجهون بعض العقبات الخطيرة. الصحفية إيلي كوسغريف من بي بي سي تتناول هذا الموضوع.

في كل أسبوع، ينتقل عدد ضخم يبلغ ثلاثة ملايين شخص للعيش داخل مدينة من المدن. ويساوي هذا العدد عدد سكان مدينة سان دييغو الحاليين، أو مدينة كييف، حيث يندمجون في المناطق الحضرية، أي ما يعادل ظهور مدينة جديدة مثل موسكو، أو ريو دي جانيرو، كل شهر.

وبحلول 2030، سيكون 60 في المئة من سكان العالم يعيشون في المدن والمناطق الحضرية. وسيضع ذلك مزيداً من الثقل على كاهل حواضر العالم القائمة. كما أن على هذه المدن التعامل مع التغير المناخي أيضاً، إذ أن 90 في المئة من سكان مدن العالم الكبرى يعيشون قرب مسطحات مائية قد تعرضهم لمخاطر ارتفاع مستوى مياه البحر.

وللتكيف مع هذه التغيرات، يقول بعض المهندسين والباحثين وخبراء التكنولوجيا إنه ينبغي أن يعاد التفكير في كيفية بناء المدن، وربما حان الوقت لعمل شيء مختلف تماماً. فبدلاً من البناء على الأرض، يقول هؤلاء دعونا نجعل المدن تطفو على سطح البحر.

لكن هل هذا ممكن فعلاً؟ كيف ستبدو مدناً كهذه على أرض الواقع؟ وكيف ستنجح؟

كانت تلك الأسئلة هي ما طرحناه في حلقة جديدة من برنامج بي بي سي الإذاعي “عالم الغد” باللغة الإنجليزية. وبالتعاون مع زميلي المذيع بريت راي، تحدثنا مع المصممين الذين يقترحون بناء مدن عائمة يمكنها إجراء بعض التعديلات للتكيف مع كل فصل من فصول السنة.

وتحدثنا أيضا مع رجال أعمال ومستثمرين في مجال التكنولوجيا يتطلعون إلى بناء مستوطنات في عرض البحر، ومع مهندسين بحريين يقومون بوضع هذه الأفكار موضع الاختبار. وإليكم ما توصلنا إليه.

مما يستحق أن نعيد التذكير به هنا هو أن المدن تتعدى على البحر منذ زمن طويل في سياق مسعاها لإيواء الأعداد المتزايدة من سكانها.

ففي سنغافورة على سبيل المثال، بُني نحو 25 في المئة من المدينة على أرض أقيمت فوق مساحات بحرية، بينما شُيد 20 في المئة من مدينة طوكيو على جزر صناعية أقيمت في البحر. وأقامت السلطات في دبي مجمعات سكنية فاخرة بأكملها على جزر صناعية، وفي هولندا، تم استغلال مساحات شاسعة من بحر الشمال وتحويلها إلى أرض للبناء، من خلال نظام معقد من السدود التي تحمي المناطق المأهولة من الفيضان منذ قرون.

ولكن بدلاً من محاولة حجز البحر من التدفق باتجاه اليابسة، يعتقد البعض أنه آن الأوان للتوقف عن محاربة البحار، والعمل معها بدلاً من ذلك. ويقول هؤلاء إن الحل لمشكلة نقص المساكن والمشاكل الاجتماعية القائمة في الكثير من مدن العالم المزدحمة والنامية بسرعة يمكن أن يكمن في التمدد باتجاه الماء.

“ينبغي أن نبدأ بالتعايش مع الماء كصديق وليس كعدو”، كما يقول كوين ألذويس، مؤسس شركة الهندسة المعمارية الهولندية “ووتر ستوديو”.

قوارب يتخذها بعض الناس كمساكن في لندن
العيش فوق المياه يوفر مزايا عديدة، لكنه ينطوي أيضا على العديد من المخاطر

وتقوم شركته بتصميم وبناء منصات عائمة يمكنها أن تعمل كأساسات لدعم المباني التي تقام في المياه. وركزت الشركة في البداية على بناء منازل منفردة، أو مكاتب، لكن ألذويس يعتقد أنه من الممكن تشييد مدن بأكملها بهذه الطريقة.

ويقول: “تخيل وجود مدينة يمكنك أن تبني فيها منازل ومشاريع عائمة. يمكنك تغيير المدينة لتلائم كل فصل من فصول السنة، لكي تتيح للمشروع فرصة للتنفس”.

الفكرة هي تشييد مبان تشبه الطوافات الضخمة جدا والتي يمكنها أن تعمل كأساسات طافية للمباني والطرق والمنشآت العامة والحدائق. وبينما المدن القائمة على اليابسة ثابتة، ولا يمكن إعادة هيكلتها بسهولة دون تدمير المباني، فإن المدن العائمة يمكن إعادة تشكيلها مراراً وتكراراً حسب الموسم وحسب التغير السكاني.

ويشير ألذويس إلى تأثير التبريد الطبيعي للماء كمثال، فبتحريك الأساسات الطافية بعيداً عن بعضها البعض خلال شهور الصيف الحارة، يمكن للمدينة أن تتسع لوجود قنوات من المياه تعمل على تبريد الهواء، بينما يؤدي إغلاق تلك القنوات والفجوات خلال الشتاء إلى الاحتفاظ بالحرارة. أو تخيل لو أمكن توسيع المدينة مؤقتاً لإتاحة المجال لزيادة السكان عند تدفق السياح أو اللاجئين، ومن ثم تعود لتتقلص مرة أخرى عندما يغادرون.

إنها رؤية مثيرة، ويمكن فقط تحقيقها لأن المدينة تطفو على سطح الماء. لكن ألذويس وزملاؤه يهيئون أيضاً هذه التقنية لتوفير الطعام والمرافق الصحية والكهرباء للأحياء الفقيرة في عدد من أكثر مناطق العالم فقراً.

فالكثير من أحياء العالم الفقيرة تجاور مسطحات مائية شاسعة، مما يجعلها معرضة للفيضان، لكن هذا في حد ذاته يوفر أيضاً فرصة إيجابية.

وتعمل شركة “ووترستوديو” مع منظمة اليونسكو لبناء مدارس صغيرة عائمة للإستخدام في الأحياء الفقيرة المطلة على المسطحات المائية.

ويتم تمويل هذا المشروع جزئياً عن طريق مشروع يستخدم الطاقة الشمسية لتزويد “مدراس القوارب” بالكهرباء، والتي توفر التعليم لأكثر من 70 ألف طفل في بنغلاديش.

ويعكف ألذويس وفريقه على إصلاح حاويات شحن كبيرة وتحويلها إلى أساسات طافية تقوم على آلاف من تلك الحاويات البلاستيكية. والوحدات الخمس الأولى منها تشكل غرفة فصل دراسي، ووحدة صحية، ومطبخاً، ووحدة كهرباء مرتبطة بألواح شمسية طافية، ومن المقرر أن يتم تسليمها إلى حي كوريل الفقير المطل على البحر في العاصمة البنغلاديشية دكا.

ويتمثل جمال هذه الفكرة، حسب ألذويس، في أنه يمكن استعمال المدرسة في مكان آخر إذا كان هناك مثلا إخلاء للحي، أو تغيير في التعليمات والقوانين. ويقول: “يمكنك تحميلها على شاحنة ونقلها إلى مدينة أخرى”.

ومع ذلك فإن تصور ألذويس عن المدن الطافية يتمثل في الأبنية المجاورة لليابسة والمرتبطة بها بحبل ما. لكن هناك من يحلمون بعدم إبقاء أي رابط بين المدن الطافية واليابسة على الإطلاق.

“المبشرون البحريون”

ويقول جوي كويرك، الكاتب الذي يطلق على نفسه “المبشر البحري”: “نحن على قناعة أنه يمكننا خلق عالم أفضل في عرض البحر”.

ويعمل كويرك أيضاً متحدثاً باسم معهد سيستيدينغ، ويأمل في إيجاد مجتمعات عائمة يمكن أن تختبر فيها أشكال مبتكرة من الحكم والإدارة.

ويقول المعهد الذي أسس عام 2008، على يد الإقتصادي باتري فريدمان والمستثمر في وادي السيليكون بيتر ثييل، إنه بنقل المدن العائمة إلى المياه الدولية يمكنها أن تشكل أمماً ناشئة لها قوانينها الخاصة. وبتشييد تلك المدن البحرية على شكل مبان بعرض 50 متراً يمكن ربطها مع بعضها البعض، فإنها تتيح لمواطنيها القدوم والمغادرة حسب إرادتهم.

سفينة فوق بحر متجمد
هل سنتمكن يوما من إقامة مدن كاملة فوق المياه

وقال لنا كويرك في برنامجنا الإذاعي: “سيكون من الصعب على دكتاتور أن يعتلي هذه السلطة الطبيعية إذا كانت تلك المنطقة التي يحكمها يمكن أن تتفكك من تحته وأن يغادرها سكانها إذا أساء التصرف”.

ويعتقد كويرك أن هذه المجتمعات المائية ستتشكل بفعل قوى السوق التي ستكون متحررة من الطموحات السياسية والمشاكل التي تواجه الحكومات التقليدية الموجودة على اليابسة.

لكن دعونا ننتظر ونرى إذا ما كانت هذه المدينة الفاضلة السياسية ستتحقق أم لا. وكذلك ما إذا كان بناء مجتمعات متحررة من كل القوانين القائمة ستتجسد عملياً على أرض الواقع، خصوصاً مع صعوبة التنبؤ بطبيعة البشر ونواياهم.

لقد تم تجريب ذلك من قبل. ففي عام 1967، احتل مذيع راديو من القراصنة يدعى روي باتيس منصة سابقة للمدفعية المضادة للطائرات في بحر الشمال، وأعلن أنها “دولة مستقلة” تدعى إمارة أرض البحر.

ومع أن تلك المنصة لا تزال محتلة، إلا أنه ليس معترفاً بها رسمياً كدولة. فحسب الأمم المتحدة، لا تعتبر الجزر الصناعية والإنشاءات والأبنية جزراً طبيعية ولهذا ليس لها حقوق الجزر.

لكن هناك آخرون يرون أن هناك حاجزاً أكثر أهمية يحول دون تأسيس دول عائمة أو مدن في أعالي البحار، ألا وهو الأحوال الجوية.

الحضارة البحرية

أي مجتمع عائم ينبغي أن يصمد في وجه الظروف المناخية القاسية للبحار المفتوحة، حيث يمكن أن يصل ارتفاع الموج فيها إلى 20 متراً، ويمكن أن تهب العواصف عليها لأيام متواصلة.

ويقول فيليب ويلسون، أستاذ هندسة حركة السفن في جامعة ساوثهامبتون إنه في مثل هذه الحالة، سنصبح بلا أي قدرة على فعل شيء، ويضيف: “عندما تكون في بحر هذا هو ارتفاع أمواجه، يمكنك أن تفعل شيئاً واحداً فقط: أن تصعد وتهبط مع صعود الأمواج وهبوطها”.

ويشكك ويلسون في إمكانية بناء منشآت بحرية لا تكون عرضة لتغيرات بيئة البحار القاسية. وقال لنا في برنامجنا الإذاعي: “تغيرات الأحوال الجوية في البحر يمكن أن تكون ضخمة. فهناك مجال أطول للرياح لكي تهب، ونتيجة لذلك تكون الأمواج أكبر هناك. وإذا بنيت مدينة عائمة يكون نصف السكان فيها مصابين بدوار البحر، فلن يكون ذلك مجدياً من الناحية الاقتصادية. فالناس لا يحبون العيش بهذه الطريقة”.

ويشير كويرك إلى سفن الركاب الفارهة الضخمة التي تتيح لركابها والمسافرين على متنها الاستمتاع بالمشروبات دون منغصات في ساعات المساء وسط أمواج المحيط المضطربة. وتبقى منصات البترول أيضاً مستقرة في بعض البيئات المضطربة والمتقلبة. لكن حتى هذه جميعها يمكن أن تصبح أماكن غير مريحة إذا ضربتها رياح الأعاصير العاتية.

لكن يبدو أن مستقبل المدن العائمة يكمن في مكان ما قرب اليابسة. ويأمل المشروع الأول لمعهد سيستيدينغ، والمتمثل في بناء محطة بتكنولوجيا متطورة للجزر العائمة في المياه المحمية لبحيرة تاهيتي في بولونبيسيا الفرنسية، أن يصبح واقعا بحلول عام 2020.

وقد أبدى أكثر من 1000 شخص اهتمامهم ورغبتهم في العيش هناك، لكن مع ارتفاع تكلفة بناء كل نموذج من تلك الجزر العائمة، التي قد تصل إلى 15 مليون دولار، ومع وجود حوالي 11 نموذجا منها، فإنها ستوفر المسكن لحوالي 200 إلى 300 مواطن فقط، وستكون الحياة هناك مكلفة جداً.

وربما تكمن القيمة الحقيقية للمدن العائمة في توفير مساحات إضافية تتوسع فيها المدن الأكثر ازدحاماً في العالم. ويبدو من المرجح أن نوعاً من “المدينة الهجينة” سيظهر حيثما نبحث عن فوائد المدن المقامة على اليابسة وفي الماء، وذلك بالتمدد إلى المياه القريبة والمجاورة.

وبينما تتطور التكنولوجيا لمساعدتنا على إدراك مزايا ومساويء العيش فوق الماء، فإن المدن القائمة على اليابسة ستبدأ بالتمدد نحو البحر.

إن حلولاً كهذه ربما تكون الوسيلة الوحيدة أمام الحضارة البشرية لتتكيف مع الزيادة السكانية وتغير المناخ في المستقبل. ومن الواضح هو أن ذلك الأمل يطفو أمام أبصارنا بالتأكيد.