,

تعرف على تفاصيل “تصفية الحسابات” بين داعش والقاعدة


حملت رسالة زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، معاني سياسية لافتة نتيجة المشهد الحالي في سوريا، وما وقع من انقسامات اشتدت مع خطوات التقارب الروسي – التركي وتوقيع اتفاق يشمل وقف إطلاق نار شاملاً والمراقبة منعاً لأية خروقات.

في تسجيل صوتي بثته مؤسسة “السحاب” الذراع الإعلامية لتنظيم القاعدة، في وقت متأخر من الخميس، لكلمة أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة كشفت عن طرق الجماعات المتطرفة في إدارتها لأزماتها، وذلك وفقاً للمعطيات السياسية على كل أرض.

فبعد فشل اللجنة التي كونت لحل الخلافات القائمة بين القاعدة وبين جبهة فتح الشام بزعامة أبو محمد الجولاني، اضطر الظواهري إلى الخروج لعرض حزمة من التنازلات على أسماع قيادة جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً)، تضمنت إعادة النظر بشأن إعلانها الحرب على أمريكا، معتبراً ذلك اجتهاداً من قبل “القاعدة” وليس وحياً، بهدف إحياء عملية التفاوض مع قائد (جفش) الجولاني بحسب موقع العربية.نت.

وقال الظواهري: “ما نختاره من سبل عملية لنصرة الإسلام، مثل دعوتنا لأمتنا بأن تكون الأولية في الجهاد ضرب هُبُل العصر أمريكا، إنما هو اجتهاد عملي وليس وحياً منزلاً ونتقبل من إخوتنا المسلمين في ذلك المشورة والنصح والتوجيه، ونتكيف مع الواقع العملي، حيث طالما كنا متقيدين بأوامر الشرع ومتجنبين لنواهيه”، على حد تعبيره.

“إدارة حوار”

وعرض زعيم “القاعدة” إدارة حوار واستئناف التفاوض مع جبهة الجولاني والتنظيمات المسلحة، قبيل إعلان الاستقلال الكلي من قبل الجولاني بعد تفرده بجبهة فتح الشام واستعداده الانخراط في المشهد السياسي في سوريا.

وقال الظواهري: “لسنا معصومين نحن بشر نصيب ونخطئ، علينا أن نصغي للنصح ولنا على أمتنا النصح والإرشاد، بشرط أن يستند لصدق واقعي ودليل شرعي، وإننا إن شاء الله سنستفيد من النصح اقتنعنا به أم لم نقتنع، بل إننا نريد أن ندير حواراً مع أهل الجهاد حول أصح المناهج وأرشد الأساليب لنصرة الدين”، وفق قوله.

يأتي ذلك بعد إعلان جبهة النصرة في تموز/يوليو 2016 وعلى لسان زعيمها أبو محمد الجولاني، في أول ظهور علني له أن الاسم الجديد لجماعته سيكون “جبهة فتح الشام”، في خطوة منه لعقد تحالفات أكثر قرباً من الجماعات الأخرى التي تشارك في القتال في سوريا، ومن دون أن يكون لها أي صلات مع أي أطراف خارجية.

وشكر الجولاني حينها تنظيم القاعدة لتفهمها ضرورات فك الارتباط بالتنظيم الأم، مضيفاً أن فك الارتباط جاء تلبية لرغبة أهل الشام في درء ذرائع المجتمع الدولي.

ورغم مباركة الظواهري لخطوة فك الارتباط في تسجيل صوتي له، إلا أن الخلاف عاد إلى الواجهة من جديد مع دعوة زعيم تنظيم القاعدة الجولاني للجلوس إلى طاولة المفاوضات، وإعادة الحوار بين الأطراف المعنية للوصول إلى رؤية مشتركة، فقد حذر الظواهري جبهة فتح الشام من أن تقع أسيرة الإرهاب الدعائي والسياسي الغربي وخداع من سمّاهم “السماسرة العملاء”، وذلك من خلال فك ارتباطها الكلي مع القاعدة، كما قال.

وقال الظواهري: “قامت علينا حملة تنفير أن ابتعدوا عن القاعدة حتى لا تعتبركم أمريكا إرهابيين، وحتى لا تستهدفكم أمريكا بصواريخها، وحتى لا تتحملوا تبعية حربها مع القاعدة، وكان رضا أمريكا هو المقصد والطريق”.

وأضاف أن الولايات المتحدة: “لا تحتاج إلى مبررات لاستهداف المجاهدين فالقصف ليس موجهاً فقط على القاعدة، وإذا كانت أمريكا لم ترحم محمد مرسي الذي وافقها على كل ما تريده، فهل سترحم مجاهداً يدعو لتحرير القدس وسائر بلاد المسلمين. لابد أن القضية واضحة لا نكون أسرى الإرهاب الدعائي والسياسي الغربي وخداع السماسرة العملاء، ورمى الكذابون القاعدة بمختلف اتهامات العمالة”، على حد وصفه.

قصة الظواهري مع القاعدة في سوريا

تشكلت جبهة النصرة في 2011، وعين أبو محمد الجولاني قائداً لها، وهو (أسامة العبسي الواحدي) والملقب بـ”الفاتح” من مدينة إدلب السورية، والذي انضم إلى تنظيم القاعدة في العراق في 2003 تحت قيادة أبو مصعب الزرقاوي، وكان مسؤولاً عن تأمين الطرق داخل سوريا لانتقال المقاتلين إلى العراق.

في 2006 انتقل الجولاني إلى لبنان وشارك في تدريب جند الشام وعاد مرة أخرى إلى العراق واعتقل في سجن بوكا، ثم أطلق سراحه 2008 وأصبح حينها قائد عمليات القاعدة في الموصل قبل أن يظهر بالمشهد السوري من جديد.

في كانون الثاني/يناير 2012، أعلن الجولاني في بيان له عن تشكيل “جبهة لنصرة أهل الشام من مقاتلي الشام”، وحمل البيان بشدة على تركيا.

إلا أن الجولاني، وبعد صعود نجم جبهة النصرة، رفض طلب البغدادي الإعلان وعبر مقطع صوتي ولاء النصرة لتنظيم داعش في العراق بقيادة البغدادي، حيث اعتبر الجولاني أن “الإعلان عن التبعية الرسمية وبحجة الولاية المكانية لا يصب في صالح الثورة” السورية.

حاول البغدادي وضع الجولاني تحت الأنظار من خلال جواسيس في داخل جبهة النصرة، خوفاً من أي انشقاق أو اندماج مع أي فصيل آخر، وبعد فشل محاولات متكررة لإرغام الجولاني الخروج بإعلان الانضمام.

بدوره، أعلن البغدادي الحرب على الجولاني، وممن بقي معه في جبهة النصرة من المقاتلين السوريين والأجانب، بتهمة “شق عصا الطاعة”، وبدأت حرب تصفية حسابات قاسية بين الطرفين.

بعدها، لجأ الجولاني إلى الظواهري لدعم موقفه من عدم الانضمام إلى تنظيم داعش، والمطالبة بوساطة مع البغدادي التي لم يكتب لها النجاح، مشدداً على خطورة وجود دولة تسمى “دولة الشام” بقيادة البغدادي لاعتباره خطأ سياسياً وشرعياً.

انتظر الطرفان بيان زعيم تنظيم القاعدة، إلا أن الظواهري وخلافاً لتمنيات البغدادي أعلن تأييده لجبهة النصرة وبقائها وحل دولة الشام، معتبراً الولاية المكانية لجبهة النصرة هي في سوريا بينما يعود تنظيم داعش إلى العراق.

لكن البغدادي اعترض علناً على إعلان الظواهري ورفض الاستجابة لدعوته ليعلن بتسجيل صوتي أن النصرة هي امتداد له، ويلغي تسمية جبهة النصرة ودولة العراق الإسلامية، وجمعهما تحت مسمى واحد هو “دولة الإسلام في العراق والشام” أي داعش.

في 2014، أعلنت جبهة النصرة مبايعة زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، وتحالفت مع فصائل مسلحة في سوريا، من بينها أحرار الشام ونفذت معها عمليات مشتركة.

وفي تموز/يوليو 2016 أعلن زعيم النصرة أبو محمد الجولاني فك الارتباط مع القاعدة وتغيير اسمها إلى “جبهة فتح الشام” (جفش)، معلناً حينها أن فك الارتباط “جاء تلبية لرغبة أهل الشام في دفع ذرائع المجتمع الدولي”، مبيناً أن أهداف الجبهة “تتلخص بإقامة دين الله وتحكيم شرعه والتوحد مع فصائل المعارضة وحماية الجهاد الشامي والاستمرار فيه واعتماد كافة الوسائل الشرعية المعينة على ذلك”.

قائد جبهة النصرة أبو محمد الجولاني

“داعش” و”القاعدة” و”جبهة فتح الشام”

منذ بثّ مؤسسة “السحاب” تسجيلها الصوتي المنسوب إلى الظواهري، لم تتوقف بيانات وإصدارات داعش عن الهجوم على الظواهري، الذي اعتبروه فاقداً للشرعية بعد مقتل أسامة بن لادن، إضافة إلى التشفي من نكث الجولاني لبيعة للظواهري التي سبقها بحسب ما جاء في إصدارات “داعش” نكثه ببيعة البغدادي.

ومن خلال متابعة بيانات ورسائل “داعش” تزامناً مع بدء التمهيد للعملية السياسية في سوريا، استعاد التنظيم المتطرف آماله في إعادة جبهة فتح الشام “جبهة النصرة” سابقاً ومقاتليها إليه، مستغلة حالة الانقسام الشديدة بين صفوف مقاتلي الجبهة؛ ما بين معارضين لفك الارتباط بتنظيم القاعدة وبين أصوات أخرى أكثر تطرفاً مؤيدة لمنهج داعش، وأخرى ترى حلاً مع الاندماج بالعملية السياسية التي تقودها تركيا من خلال تنظيم “أحرار الشام”.

الظواهري وفي تسجيله الصوتي الأخير كان قد شنّ هجوماً على البغدادي ووصفه بـ”الكذاب” قائلاً: “تقول إننا لا نكفر بالطاغوت ونلهث خلف الأكثرية ونمدح محمد مرسي، ونصفه بأنه أمل الأمة وبطل من أبطالها”، نافياً ذلك.