,

كيف تحولت الألعاب الإلكترونية إلى صناعة عالمية كبرى اليوم؟


113 مليون مشجع من جميع أنحاء العالم – 147 مليون مشاهد – 252 مليون دولار إيرادات سنوية عالمية – 71 مليون دولار مجموع الجوائز لجميع البطولات والمسابقات التي عُقدت حتى الآن.

هذه الأرقام لا تشير إلى الاتجاه السائد في رياضة تقليدية مثل كرة القدم أو كرة السلة. أنها أرقام رياضة شهدت طفرة كبيرة بمجرد أن بدأت منذ 10 سنوات مضت فقط، الرياضة التي فاقت إيراداتها بالفعل إيرادات صناعة الموسيقى بأكملها، والتي تتنافس كبرى العلامات التجارية العملاقة مثل كوكا كولا، ريد بول، أمريكان إكسبريس، وإنتل وسامسونج على رعاية بطولاتها بحسب موقع أرقام ديجيتال.

ما نحدثكم عنه هي الرياضات المعروفة باسم “الرياضات الرقمية” أو “الألعاب الإلكترونية”، ولا نعني بها مجرد ممارسة الألعاب بشكل فردي في المنزل، وإنما نتحدث عن نوع من المنافسة بين مجموعة من اللاعبين المحترفين في ألعاب الفيديو والكمبيوتر للحصول على أعلى رتبة في اللعبة أو لحصد الجوائز. دعونا نحدثكم أكثر عن ذلك…



مع التوسع السريع في قاعدة المعجبين عالميا بألعاب الفيديو والكمبيوتر، تحولت من مجرد ألعاب تُباع لمجموعة أفراد للمتعة إلى ساحة ألعاب تنافسية، جعلت منها صناعة تنمو بشكل تدريجي عاماً بعد عام، حتى أنه أصبح لها هناك بطولات ومنافسات على مستوى العالم للاجتماع واللعب في مكان واحد بشكل جماعي أو حتى فردي، وأصبح المشاركين في هذه البطولات الآن مؤهلون للحصول على فيزا الولايات المتحدة الأمريكية من نوعية P-1 (وهي تأشيرات مخصصة منذ فترة طويلة لدخول الرياضيين المحترفين إلى الولايات). ولكن، كيف أصبحت الألعاب الإلكترونية صناعة كبيرة جداً بتلك الأرقام التي أشرنا إليها في البداية، في هذا الوقت الزمني القصير؟ وما هي العوامل التي ساهمت في نموها بهذا الشكل؟.


الحقيقة الأولى الممتعة، أن أول منافسة عُقدت حول ألعاب الفيديو كانت في 19 أكتوبر عام 1972م، حيث تنافس مجموعة من الطلاب في جامعة ستانفورد في دورة أوليمبية أطلقوا عليها “المجرات في حرب الفضاء”. وماذا كانت الجائزة وقتها؟ اشتراك لمدة عام في مجلة “رولينج ستون Rolling Stone” إحدى المجلات الثقافية التي تصدر بشكل نصف شهري.

 لكن الفائزين في بطولات الألعاب الإلكترونية اليوم يمكنهم أن يحصدوا جوائز أعلى من ذلك بكثير؛ ففي بطولة Dota العالمية لألعاب الفيديو للعام 2015، والتي وقعت في وقت سابق من هذا الشهر؛ كان مجموع جوائزها أكثر من 18 مليون دولار، مما يجعلها أكبر بطولة من أي وقت مضى للبطولات الفردية.

منذ 10 سنوات مضت، كان أول لاعب فيديو احترافي هو “جوناثان ويندل”، الذي ظهر على غلاف مجلة Business Week مع ثماني صفحات مميزة تتضمن تفاصيل عن صعود هذه الصناعة في ذلك الوقت. في ذلك الوقت، بدأ هناك دوري لمحترفي الألعاب السيبرانية Cyberathlete Professional League (CPL) وكان مجرد بداية لجعل هذه الصناعة محط أنظار الجميع. حتى أنه في السنوات الخمس التي تلت ظهور “جوناثان ويندل” حصل هو على أغلب البطولات وجمع أموالاً من اللعب بما يعادل أكثر من 350،000 دولار في عام 2005، ثم حصل على الجائزة الكبرى 500،000 دولار في نهائيات دوري المحترفين CPL للعام 2011 (والتي تم بثها جزئيا على قناة التلفاز MTV)، وكانت شركة إنتل هي الراعي الرئيسي لجولة ذلك العام مع داعمين آخرين مثل Samsung، AMD، و Tylenol.



في العام 1997، تأسس كل من دوري الألعاب الإلكترونية للمحترفين (CPL) ومجتمع الرياضات الإلكترونية (ESL). ووفقا لإنفوجراف من ESL يقول أن عدد اللاعبين المسجلين لديهم نما من ذلك العام إلى نحو مليون مشارك في سنواته الثمانية الأولى. وبحلول عام 2013، ارتفع هذا العدد إلى أكثر من أربعة ملايين نسمة. ويمكن العثور على مجتمعات ESL الآن في 46 بلدا، مع أكثر من 883،000 فريق مسجل، وأكثر من 30،000 لاعب جديد ينضم للدوري كل شهر.

الحقيقة الثانية الأغرب من ذلك، أن بطولة العالم لألعاب الفيديو في العام 2014 التي تضم أساطين اللعب عبر الفيديو والحواسيب كان يشاهدها أكثر من 32 مليون شخص عبر الإنترنت، أي أن عدد جمهورها كان أكبر من نهائيات كأس ستانلي للعبة الهوكي في أمريكا، وأكثر كذلك من جمهور نهائي دوري المحترفين للسلة الأمريكية NBA.

إذا تكلمنا عن العوامل الرئيسية وراء نمو الألعاب الإلكترونية بهذا الحجم، فشيوع نوع جديد من المنصات عبر الويب لمشاهدة منافسات ألعاب الفيديو عن طريق البث المباشر، ومثالية نموذج أعمال منافسات الألعاب الإلكترونية، بالإضافة إلى ازدياد شعبية حركة “المهاوييس” التي روّجت إعلامياً لهذه المنافسات، كـ Geek Pride التي كانت بمثابة حركة إعلامية على الإنترنت من المدونيين لتوجيه الأنظار حول التقانيين وأنشطتهم المختلفة بشكل عام.

منصات البث المباشر على الويب لمشاهدة المحترفين وهم يلعبون ألعاب الفيديو عبر الإنترنت ويتنافسون مع بعضهم البعض كل يوم تقريبا (مثل موقع Twitch) كانت من أبرز العوامل التي ساعدت على انتشار هذه الثقافة للعب الجماعي أونلاين، هذا الموقع بالتحديد يمكن للجمهور من خلاله متابعة الفرق التي صعدت، ومعرفة مَن هم أفضل اللاعبين في أرض المعركة بالترتيب التنازلي، وذلك في مختلف أنواع الألعاب، بدءاً من المناوشات الصغيرة إلى المسابقات المكثفة.


هذه المنصات الجديدة أسقطت الجدران التي حدّت من تجربة الألعاب واقتصارها على لاعبين فقط أو حتى 5 أشخاص يلعبون مع بعضهم في شبكة واحدة. لقد جذبت المزيد من الناس حتى أصبح هناك جمهوراً عريضاً، في حين يسمح للاعبين التفاعل عبر الويب. على سبيل المثال، منصة مثل Twitch (التي اشترتها شركة أمازون العام الماضي مقابل 970،000،000 دولار) حفزّت كلا من اللاعبين والجماهير للعب والتشجيع في نفس الوقت. بل واللاعبون المحترفون يمكنهم الحصول على دخل من خلال عرض مجموعة من الإعلانات، ومن رسوم الاشتراك التي تتدفق من المباريات التي يلعبوها ومن تبرعات المشاهدين، والتي جعلت من ألعاب الفيديو هدف للتكسُّب يمكن تحقيقه.

بالنسبة للجمهور، البث المباشر للألعاب الإلكترونية عبر الإنترنت جعل وصولهم لساحة العرض والتشجيع سهلاً. لا يحتاج المشجعون إلى أن يكونوا مهرة في لعب ألعاب الفيديو حتى يشاركوا. فقط يمكنهم الجلوس والاستمتاع بالألعاب ومشاهدة اللاعبين داخل المنافسة. وفقا لتقرير موقع الأخبار Newzoo الموجّه لمجال الألعاب الرقمية، أنّ نحو 40% من مشاهدي الألعاب الإلكترونية والفيديو لا يلعبون هذه الألعاب بنفسهم. بل ما هو أكثر من ذلك، يمكن للجمهور الدخول فعلا مع اللاعبين، وإرسال تعليقاتهم أو أسئلتهم للاعبين أثناء، وبعض اللاعبين يتفاعلون معهم بالفعل.



وقد أثار هذا النموذج “نموذج العمل” الذي حققه موقع تويتش من جذب اللاعبين والجمهور لتدفق مصالح كبيرة إلى مجال الرياضات الإلكترونية eSports والبطولات القائمة عليها. وفقا لتقرير 2014 أصدره الموقع نفسه، حيث كان هناك 16 مليون دقيقة مشاهدات، و100 مليون مشاهد فريد من نوعه و1.5 مليون مذيع مميز كل شهر. وبلغ عدد المشاهدين المتزامن (للبث المباشر) ذروة مليون مشاهدة في عام 2014. كل هذا عمل إلى حد كبير على زيادة الوعي بالرياضات الإلكترونية وزيادة العوائد الضخمة لهذه الصناعة من خلال أنها جذبت الماركات الكبيرة، مثل نفيديا وإنتل وسامسونج، لضخ المزيد من الاستثمارات في هذا القطاع.

ثم يتم استخدام المال من هذه الاستثمارات على الابتكار لخروج منصات جديدة مثل HITBOX، Mobcrush وKamcord، الأمر الذي يزيد من زيادة الوعي وخلق مجتمعات أكبر للألعاب، في حين أن يؤدي إلى مزيد من فرص الدخل للاعبين والعلامات التجارية على حد سواء.



مصطلح “المهووس Geek” أو “الطالب الذي يذاكر كثيرا” ساهم في تسليط الضوء على الأشخاص الذين أدمنوا الشيء حتى تخطوا مرحلة القيام به باحترافية، بطريقة ما ومع شعبية أصحاب الرأي والمدونين في مجال التقنية، تم تسليط الضوء من المدونين على هذه الفئات، وكان من بينهم بالتأكيد مدمني ألعاب الفيديو والألعاب الإلكترونية.

لا ننسى كذلك أن كبر حجم الجوائز يعد أحد عوامل تحوّل الألعاب الإلكترونية من مجرد اللعب للاستمتاع إلى مسابقات وجولات فوز وخسارة على صعيد عالمي، وأن استفادة الشركات الراعية من وراء الدعاية التي تأتيها من تلك البطولات يُعد عاملاً آخر بالتأكيد. لكن على أية حال، كان لمايكل جوردن (أحد أمهر وأشهر لاعبي السلة الأمريكية) مقولة: “الموهبة تفوز في الألعاب، ولكن العمل الجماعي يحصد البطولات.”. في النهاية، نجاح الرياضات الالكترونية كان نتاج اجتماع المهوسون بالألعاب مع الجمهور مع الجوائز والشركات الراعية ومنصات العرض. هذا العمل الجماعي أسس اليوم لصناعة عالمية جديدة قائمة بذاتها.