,

“ماما ميا”: هل يتصدر الجزء الثاني للفيلم شباك التذاكر؟


ظهر الجزء الثاني من فيلم “ماما ميا!” الذي حقق جزؤه الأول نجاحاً ساحقاً في شباك التذاكر عند عرضه. لكن هل يمكن أن يحظى هذا الجزء بنجاحٍ مماثلٍ لذاك الذي ناله سابقه؟

لا شك في أن فيلم “ماما ميا!” هو أحد أكثر أفلام عام 2008 نجاحاً، فقد حقق أرباحاً هائلةً في شباك التذاكر بلغت 610 مليون دولار أمريكي، بل وأصبح قرص الفيديو الرقمي “دي في دي” المُحمّل عليه هذا العمل، الأسرع انتشاراً على الإطلاق في بريطانيا.

لكن كل ما سبق لن يغير حقيقة المستوى المتواضع للفيلم، إذ لم يكن سوى توليفةٍ ضاغطةٍ على الأعصاب تجمع بين حبكةٍ تافهة وغناء مزعجٍ وأغنيات لفرقة “آبا” أُقحمت على العمل، بغض النظر عما إذا كانت ذات صلة بأحداثه أم لا.

دعونا لا ننسى هنا كذلك أن ذاك الجزء تضمن أغنيةً أدتها “جولي وولترز” عبر ذراع مكنسةٍ كهربائيةٍ بدلاً من مكبر الصوت، وحاولت أن تحاكي فيها أسلوب المغني الشهير “إلفيس بريسلي”، وهي أغنية تتحدث عن فتاةٍ غضةٍ وحسناء وشديدة البراعة في الرقص، ولم يتجاوز عمرها 17 عاماً.

رغم ذلك، فإن هذه الثغرات الكبيرة سُتِرَتْ بفضل صورةٍ سينمائية خلابة كتلك التي تظهر على البطاقات البريدية، لمياه بحرٍ متألقة تعلوها سماءٌ يونانيةٌ تغمرها أشعة الشمس، وبأداء ممثلين انغمسوا في العمل بحماسة شديدة، لا يمكن أن تتسنى لغالبيتنا سوى باحتساء كميات هائلة من شراب “الأوزو” المُسْكِر الذي تشتهر به اليونان.

والآن وبعد مرور عشر سنوات على عرض الجزء الأول، لا يبدو أن للجزء الثاني من الفيلم الطابع الصاخب ذاته الذي يجعل المشاهد يتغاضى عن أي عيوب أو ثغرات، لذا فقد لا يحقق هذا الجزء النجاح الساحق نفسه. ولكن بوسعنا اعتبار فيلمنا هذه المرة – وبخلاف الجزء الأول – متوسط الجودة، وهو ما يجعله مهماً في حد ذاته على الأقل.

الممثلة ليلي جيمس بطلة الفيلم تقوم “دونا” في هذا لفيلم برحلة تجوب فيها أنحاءً مختلفةً من أوروبا

ويشكل “ Mama Mia Here we go again” (ماما ميا! عودٌ على بدء) – الذي كتبه “أوليفر باركر” وأخرجه كذلك – جزءاً مُتمماً لجزئه الأول، ومُمَهِداً له أيضاً في ضوء أنه يسرد أحداثاً وقعت قبل تلك التي رأيناها في الفيلم الأصلي.

وإذا كنت سخياً في توصيفاتك، يمكن أن تعتبره بمثابة الجزء الثاني من فيلم “الأب الروحي” بالنسبة لذاك العمل الموسيقي، في بِنْيَتِه إن لم يكن في مستواه أيضاً. أما إذا تحدثت بلهجة أقل كرماً، فيمكنك اعتبار العمل الجديد فيلماً عن الشخصيات والأحداث التي تضمنها الجزء الأول.

ويقوم الجزء الثاني على فرضية مفادها بأن شخصية “دونا” التي جسدتها “ميريل ستريب” في “ماما ميا!” قد ماتت، ولذا أُوكِلَ بابنتها “صوفي” – التي تجسد دورها “آماندا سيفريد” إدارة الفندق المملوك لها على جزيرة يونانية.

وفي حين تبدو “صوفي” قلقةً في الوقت الحاضر، نجد الفيلم يعود بنا عبر لقطات “فلاش باك” 30 عاماً إلى الوراء، إلى الفترة التي أقامت فيها “دونا” علاقات جنسيةً عابرةً مع ثلاثة شبان عُزاب جذابين، جُسّدت شخصياتهم في الجزء الأول على يد كلٍ من؛ “بيرس بروسنان” و”كولين فيرث” و”ستيلان سكارسغارد”. لكننا نرى هذه الشخصيات تُؤدى في الفيلم الجديد من جانب ممثلين شبان، يقدمون أصحابها عندما كانوا صغاراً في السن ويتمتعون بالنضارة والجاذبيةً، وأعمارهم لا تتجاوز كثيراً 17 عاماً.

وتبدأ لقطات الـ”فلاش باك” هذه، بتخرج “دونا” – التي تؤدي دورها هذه المرة “ليلي جيمس” – في جامعة أكسفورد مع أعز صديقاتها “تانيا” و”روزي”، اللتين تُجسّد شخصيتيهما كلٌ من “أليكسا دافيز” و”جيسكا كينن وين”، التي تستولي على الأنظار بأدائها الجذاب. وتحل هاتان الممثلتان محل “جولي وولترز” و”كريستين بارانسكي” – اللتين قامتا بالدورين نفسيهما في الجزء الأول – على الترتيب.

وللاحتفال بهذه المناسبة، انخرطت الفتيات الثلاث في أداء أغنية “عندما قَبَلْتُ المعلم”. وثمة مراوغةٌ واضحة هنا، إذ اضطر “باركر” إلى الاستعانة ببعض الأغنيات الأقل نجاحاً لفريق “آبا”، كبديلٍ عن الأعمال الأكثر انتشاراً وذيوعاً التي يصلح أن يغنيها مغنٍ واحد، والتي استُخْدِمتْ بالكامل في الجزء الأول.

الممثل جوش ديلان مع بطلة الفيلم ليلي جيمس يلعب الممثل جوش ديلان دور “بيل” في هذا الفيلم مع البطلة “دونا”

وبحسب الأحداث، تقوم “دونا” برحلة تجوب فيها أنحاءً مختلفةً من أوروبا، بعدما أطلقت عملها الغنائي الكبير الأول. في باريس تلتقي بـ”هاري” شاباً هذه المرة، ويُجسّد شخصيته “هيو سكينر” بدلاً من “فيرث” الذي قدمها في الجزء الأول.

وفي مطعمٍ يحمل في تفاصيله وزخارفه إشارات متعددة إلى نابليون، يقدم الاثنان بطريقة الـ”دويتو” أغنية “ووترلو” لفريق “آبا”. بالمناسبة، لا تشغل بالك هنا إذا اكتشفت أن الصفات الخرقاء التي أُضفيت على شخصية “هاري” في الجزء الجديد من الفيلم، تتناقض مع ما أوحي به جزؤه الأول من أنه كان في شبابه عازفاً لموسيقى “الهيفي ميتال” أكحل العينين، تحول في وقت لاحق إلى رجل أعمالٍ راجح العقل وبارعٍ في التخطيط.

بعد ذلك، تتجه “دونّا” إلى اليونان لتفتن بحاراً سويدياً مفتول العضلات وشديد الجاذبية يُدعى “بيل”، ويجسد شخصيته في هذه المرة “جوش ديلان”، بدلاً من “سكارسغارد”. وما أن تصل هذه الفتاة إلى الجزيرة التي ستُشيّد عليها فندقها في يومٍ ما، حتى تلتقي مصادفةً بـ”سام”، هذا الشاب ذي الشخصية الحساسة، الذي يؤدي دوره في الجزء الثاني “جيريمي إيرفاين”، بعدما أداه “بروسنان” في الفيلم الأصلي.

ومما يثير الارتباك، أنه سبق لـ”إيرفاين” نفسه أن جسّد النسخة الشابة من شخصيةٍ أداها “كولين فيرث” في فيلم “رجل السكك الحديدية” الذي عُرِضَ عام 2013، وشارك فيه كذلك – للمفارقة – “سكارسغارد”. لذا بدا مثيراً للإعجاب أن يتذكر “إيرفاين” أي شخصية من الاثنتين، كان يُفترض عليه أن يجسدها في شبابها، خلال الجزء الثاني من “ماما ميا!”.

وعلى أي حال، كان من الممكن وضع عنوانٍ فرعي لهذا الجزء يقول: “عندما التقت دونا مع هاري وسام وبيل”. ويتمثل الفارق الرئيسي بينه وبين الفيلم الأصلي، في أنه يقدم لنا مجموعةً من الشبان في العشرينيات من أعمارهم عاريي الجذوع ومعهم “دونا” بثوب سباحةٍ بكيني، بدلاً من إظهار أبطالٍ في الخمسينيات من العمر شديدي الانغماس في اللهو والمرح ولا تفارق أكفهم كؤوس الشراب كما رأينا في الجزء الأول.

وهكذا فإن ما ستفتقده من تصرفات رعناء يُقدم عليها الأبطال الثملون للفيلم الأصلي، ستعوضه في صورة مشاهد تحفل بالتفاؤل والحرية المُفعمة بالروحٍ الشبابية، وترى فيها كذلك عضلات بطنٍ ممشوقة بفضل ممارسة أصحابها للرياضة.

يستحق “باركر” هنا التقدير لتقديمه عملاً سينمائياً خفيف الظل يبدو أشبه بحلوى “غزل البنات” كهذا، في ظل افتقارنا النسبي في الوقت الحاضر للأفلام الرومانسية الكوميدية الخفيفة، التي ترمي لنشر البهجة، حتى وإن كانت ذات طابعٍ سطحيٍ.

الممثل جيريمي إيرفن شارك الممثل جيريمي إيرفن في الجزء الثاني من الفيلم “ماما ميا؟ عود على بدء”

في الوقت ذاته، تضمن السيناريو والحوار – الذي ساعد ريتشارد كيرتس في كتابته – عباراتٍ مقتضبةً ولاذعة الطابع بما يكفي لتحقيق الهدف منه بنجاح. وحرص القائمون على العمل على موازنة الدعابات التي تضمنها الحوار بتأملات حزينة عن الوحدة والضياع، حتى وإن كانت الجُمل الحوارية لا تتماشى قط مع مشاعر الأسى والرثاء التي ينفطر لها القلب وتحفل بها الأغاني الموجودة في الفيلم.

الأهم من ذلك، أن المستوى البارع الذي يليق بالنجوم، والذي أدت به “ليلي جيمس” دورها، أكسب الجزء الثاني من “ماما ميا!” برمته بريقا واضحا، برغم أن مشاهد العمل لم تكن مشمسةً ومتألقةً كنظيرتها في الجزء الأول، في ضوء أن التصوير جرى في هذه المرة في كرواتيا لا اليونان.

ومع ذلك، كان بمقدور “جيمس” تعويض ذلك بما اكتسى به أداؤها من طابعٍ إيجابيٍ بشوشٍ، جعل شخصيتها تُشِعُ في جنبات العمل. يُضاف إلى ذلك، أنها كانت قادرةً على الغناء بالفعل، بخلاف شخصيات بعينها في فريق العمل.

اللافت أن المشاهد التي يتضمنها الجزء الثاني، من تلك التي يُفترض أنها تجري في الزمن الواقعي للفيلم، ليست متألقةً أو براقةً كثيراً. فـ”صوفي” عابسةٌ على الدوام، والشخصيات الرئيسية الأخرى موزعةٌ بين دولٍ مختلفةٍ من العالم، كما أن “دونا” غائبةٌ عن الأحداث بالطبع. لذا لا يوجد من يُكسب العمل تلك الروح اللاهية خالية البال، التي تسود العطلات عادةً.

ولا يتغير الوضع سوى في نهاية الفيلم، عندما يستحضر “باركر” ما اتسم به الجزء الأول من عشوائية مرحة وطابعٍ صاخب يُخيم دوماً على الحياة في المعسكرات.

ولتحقيق هذا الهدف، يضطر إلى جلب المغنية “شير” بمروحيةٍ إلى مسرح الأحداث، وهو ما سيبهج كل من يهيمون حباً بالفيلم الأصلي، ممن ستغمرهم السعادة إزاء الكيفية التي حوّلت بها “شير” الجزء الثاني إلى حفلٍ متألقٍ لموسيقى الكاريوكي.

غير أن ذلك لا ينفي أن مشاهد الـ”فلاش باك” التي تضمنها، بما تتسم به من مرحٍ ممتعٍ، هي ما يجعل العمل محتملاً لمن لم يشاهدوا منّا جزءه الأول.