,

بغداد.. “ملاحدة” في شارع المتنبي


ضمن زقاق هادئ قبالة شارع المتنبي في بغداد، يعرض ستار محسن علي تجارته جيئة وذهابا. وهي لا تتعلق كثيرا ببيع الكتب، ولكن بالبيع المتجول للأفكار الهدامة، وحتى الخطرة، وهو أمر يمارسه بتلذذ.

بين شارب كثيف وشعر مصبوغ باهت، تبرق عيناه في الوقت الذي يستمتع فيه بكل تفاعل خلال يوم الجمعة الذي يتسم بالنشاط، عندما يتوجه سرا أولئك الذين يسعون للحصول على الكتب التي تعتبر خطرة، إلى متجره المرتب، “سطور”. يقول فجأة لأحد الزبائن “جان بول سارتر؟ لدينا”.

يستخدم شارع المتنبي المشهور مركزا فكريا في العراق، وهو مسمى على الشاعر العربي المعروف في القرن العاشر، أبي الطيب المتنبي. وتعتبر متاجر الكتب الجديدة والنادرة مركز المشهد الأدبي المفعم بالحيوية، الأمر الذي يسترعي انتباه الفنانين والممثلين والكتاب والسياسيين المعروفين، جنبا إلى جنب مع الآلاف من عشاق الكتب كل يوم جمعة.

علي واحد من بين البائعين الأكثر ميلا للكتابات المثيرة للجدل، ومتجره المزدهر تذكير بأنه حتى مع صعود تنظيم داعش، والمتطرفين الدينيين، كان هناك أيضا تصعيد في تأكيد الذات بين العلمانيين.

داخل دولة دينية إلى حد كبير يهيمن عليها من الناحية الثقافية رجال الدين، ومن الناحية السياسية رجال الميليشيات الشيعية وعملاؤهم في الحكومة، يعرض علي بتحد أمام متجره نسخا باللغة العربية من رواية “آيات شيطانية” تأليف سلمان رشدي، جنبا إلى جنب مع كتاب The God Delusion للملحد ريتشارد دوكينز، الذي يبيع منه نحو 200 نسخة أسبوعيا.

يقول أحمد ماجد، وهو طالب جامعي يبلغ من العمر 20 عاما، يصف نفسه بأنه ملحد في الوقت الذي يدفع فيه 20 ألف دينار عراقي مقابل الحصول على نسخة من كتاب دوكينز: “لديّ هذا الكتاب على جهاز الكمبيوتر المحمول، لكن وجود نسخة حقيقية شيء آخر”. ويضيف: “الناس المعارضون لهذا الكتاب ليسوا فقط في هذا البلد، بل يوجدون حتى في الدول الغربية”. ورغبته في مثل هذه الكتابات ليست غير عادية، إذ يضيف علي: “معظم الشباب في هذه الأيام يحبون قراءة الكتب ذات التأثير الكبير، والكتب التي تسعى للإجابة على أسئلة كبيرة”.

تلاشت الكتب والثقافة الأدبية في العالم العربي. تراجعت في وجه القنوات الفضائية والإنترنت وتضررت بسبب انخفاض مستويات المعرفة بالكتابة والقراءة. لكن علي يصر على أن “العراق أفضل بلد في العالم العربي للكتب”. ويقول إنه يبيع ما تصل قيمته إلى عشرة آلاف دولار كل أسبوع، آخذا للمنزل نحو 30 في المائة من ذلك بعد خصم النفقات. ويتفاخر بأن متجره يبيع أكثر من كثير من المكتبات والأكشاك الموجودة في شارع المتنبي.

فلاح حسن -أحد الأصدقاء الذي يصفه علي بأنه تقي جدا- يأتي إلى المحل بشكل عادي وينخرطان في نقاشات أسبوعية حول الدين قبل أن يشتري حسن أي كتاب، ربما ترجمة عربية لواحد من الكتب المطبوعة من قبل دائرة نفوذ علماء الشيعة الإيرانيين الذين انشقوا عن العقيدة، مثل عبدالكريم سروش، أو حول بطل العراق أحمد كوبنجي. يقول المهندس الميكانيكي البالغ من العمر 61 عاما عن صديقه التاجر: “إنه يكملني”.

ويشتري عميل آخر نسخة باللغة العربية من “الغصن الذهبي”، وهي دراسة في علم الإنسان ذات طابع إلحادي صدرت عام 1890 بقلم جيمس جورج فريزر. ويمزح العميل مع علي الذي تعرض لتهديد من قبل: “إذا رأى أي مسلم تقي أنك تبيع هذا الكتاب، سيقتلك”. ويتابع: “قل لي فقط، لماذا تبيع هذا الكتاب؟ إنك ملحد. أنت كافر”.

مثل هذه التهديدات من الصعب الاستهانة بها. فقد أسفر انفجار ضخم لسيارة ملغومة عام 2007 عن مقتل 26 شخصا في شارع المتنبي، ودمر كثيرا من المحال التجارية، بما في ذلك مقهى شاه بندر الشهير، الذي يعود للعصر العثماني. لكن الحكومة العراقية أعادت بناء الشارع وفتحه بعد 18 شهرا.

في هذه الأيام، معظم منفذي القانون المتدينين للغاية، الذين يلاحقون الأشخاص الذين يبيعون الكتب أو يتعاطون الكحول، يوجدون في جبهة القتال ضد “داعش”. يوجد قليل من الرقابة الرسمية. يبدو أن السلطات الآن أكثر قلقا بشأن حظر الكتب والمواقع التي تروج للفتنة الطائفية من الذهاب لملاحقة الملحدين.

علي، وهو شيعي من جنوبي العراق، ترعرع في أسرة دينية صارمة، لكنه انشق. شجعه صديقه ومعلمه، كوبنجي، على فتح متجر “سطور” قبل نحو خمس سنوات، عندما كان الاقتصاد مزدهرا وحين أصبح أسوأ ما في الحرب الأهلية وراء ظهر العراقيين بحسب “الاقتصادية”.

يقول علي: “لدي مشروع ثقافي. لتنوير الناس وتشجيعهم على القراءة. وأود أن أحصل على ميزة الفوز برضاء الإسلاميين، حتى لا نضطر إلى خشيتهم”.