لماذا استعانت أميركا بـ “وحشية” الأسد للتحقيق مع المتهمين بالإرهاب؟


تحت عنوان “أخوة الدم: عندما كانت سجون الأسد المرعبة مركز تحقيق مع معتقلي المخابرات الأميركية”، نشرت مجلة “فورين بوليسي” تحقيقاً حول انتهاكات حقوق الإنسان التي تسببت بها وكالة الاستخبارات الأميركية CIA من خلال إرسالها معتقلين يُشكّ بارتباطهم بتنظيم القاعدة إلى أقبية المخابرات السورية.

وكان وزير الخارجية الأميركي جون كيري استهل كلمته في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر “جنيف 2” بالتعبير عن غضبه من إقدام نظام الرئيس السوري بشار الأسد على التعذيب الممنهج للمعتقلين، بعد أيامٍ من تسريب وكالة “الأناضول” التركية صوراً توثق إعدام نظام الأسد لـ 11,000 معتقلاً تحت التعذيب في العاصمة دمشق وحدها.

كيري رأى في تصرفات الأسد “انتهاكاً مروعاً للإنسانية ولكرامة البشر، ولكل الأعراف والمواثيق المتعارف عليها دولياً”، وذلك في معرض حديثه عن تقرير “الأناضول” الذي سرّبه رجل أمنٍ منشق عن النظام السوري، وما يحويه من صورٍ لمعتقلين تعرضوا لأقسى أنواع التعذيب من ضربٍ وخنقٍ وتجويع.

“فورين بوليسي” التقت المهندس الكندي ذو الأصول السورية ماهر عرّار الذي اعترف بأنه لم يقوَ على مطالعة الصور لما تثيره من ذكرياتٍ مؤلمةٍ تعيده بالزمن إلى الفترة التي قضاها في أقبية “فرع فلسطين” التابع لأحد أجهزة الأمن السورية في دمشق، حيث تعرض للضرب المبرح والتعذيب الشديد واضطر للاعتراف خطأً بتلقي تدريباتٍ عسكريةٍ تحت إشراف مجموعاتٍ إرهابيةٍ في أفغانستان.

ويتمتع “فرع فلسطين” الذي يعد أحد فروع شعبة المخابرات العسكرية بسمعة سيئة جداً لدى السوريين، إذ يتمّ احتجاز المعتقلين في طوابقه الثلاثة تحت الأرض واستجوابهم تحت التعذيب الشديد بحسب الشهادات التي وثقتها منظمة حقوق الإنسان.

عرّار أبدى استغرابه من صدمة كيري “رغم علم وزارة الخارجية الأميركية بأن السلطات السورية تعذّب معتقليها منذ تسعينيات القرن الماضي”، بل إن مكتب الهجرة الأميركي اعتقله شخصياً في سبتمبر 2002 أثناء مروره في مطار جون كينيدي بنيويورك بناءاً على معلومات خاطئة زودته بها كندا عن علاقته بتنظيم القاعدة، فتمّ ترحيله إلى العاصمة الأردنية عمّان قبل أن ينتهي به المطاف في سوريا.

المعتقل السابق لدى أجهزة الأمن السورية أقرّ بأن “الإدارات الأميركية المتعاقبة لم توافق بشار الأسد على سياساته، إلا أن الطرفين يملكان عدواً مشتركاً متمثلاً في تنظيم القاعدة. فمنذ هجمات 11 سبتمبر 2001، عمدت الولايات المتحدة على الاستعانة بسوريا للتعذيب بالوكالة”.

ورغم اعتقاله لمدة تزيد عن العام، اضطر النظام السوري للإفراج عن عرّار لعدم ثبوت ارتباطه بالتنظيم الإرهابي الدولي، حيث أفرج عنه في أكتوبر 2003، واضطر رئيس الوزراء الكندي ستيفان هاربر للاعتذار له علنياً وتقديم حكومته تعويضاً بقيمة 10 مليون دولار لقاء ما لاقاه في أقبية سجون بلده الأم.

سوريا لم تكن الوجهة الوحيدة للمعتقلين بموجب قانون “التسليم الاستثنائي Extraordinary Rendition” الذي شرعته السلطات الأميركية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر – والذي يمنحها الحق في إرسال المشتبه بضلوعهم في جرائم الإرهاب إلى بلدٍ ثالثٍ يخضعهم للتحقيق بطرقٍ يحظرها القانون الأميركي -، بل أكد الصحافي الأميركي جون ماير إرسال معتقلين إلى عدة دولٍ في مقدمتها مصر والمغرب والأردن بواسطة طائرات خاصة تتبع شركات أميركية تجارية وهمية.

كما لم يكن عرّار المعتقل الوحيد الذي أرسل إلى سجون الأسد بحسب المجلة الأميركية، بل طلبت إدارة الرئيس السابق جورج بوش من المغرب اعتقال الألماني محمد حيدر زمار لعلاقته بتفجيرات 11 سبتمبر، فتمّ التحقيق معه في المغرب من قبل ضباطٍ تابعين لجهاز الاستخبارات المركزية الأميركية، قبل إرساله إلى دمشق.

العلاقة الطيبة بين جهازي الاستخبارات الأميركي والسوري بلغت حداً مثيراً، إذ عرضت الـ CIA على نظيرها الألماني طرح أسئلة بعينها على زمار خلال اعتقاله بـ “فرع فلسطين” في دمشق، فيما أشار تقريرٌ نشرته المبادرة المفتوحة للعدالة الدولية إلى أن السلطات الأميركية أرسلت ما لا يقل عن ثمانية معتقلين – أحدهم لم يبلغ الـ 20 من عمره – إلى سجون الأسد من أصل 136 تمّ القبض عليهم بموجب قانون التسليم الاستثنائي.

“فورين بوليسي” أبرزت حجم التعاون الاستخباراتي بين واشنطن ودمشق في محاربة القاعدة إبان فترتي الرئيس السابق بوش، الأمر الذي يحاول نظام الأسد الاستفادة منه حالياً من خلال تحويل أنظار العالم عن الجرائم التي يرتكبها ضدّ معارضيه والتذرع بمحاربة التنظيمات المتطرفة.

ورغم محاولات الأسد فإن إدارة الرئيس باراك أوباما لا تبدو في طريقها للاقتناع بروايته، سيما أن الإدارة الحالية تعهدت بعدم تعذيب أي معتقل يتم ترحيله إلى سجونٍ غير أميركية، بل إن الولايات المتحدة استعاضت عن مساعدة بعض أجهزة المخابرات العربية بسجنٍ استأجرته في العاصمة الصومالية مقديشو يديره ضباطٌ أميركيون.