,

حبيب الصايغ: كيف تدعم قطر الديمقراطيات الناشئة وليس لديها أي مشاركة شعبية؟


the evening of poetry at  Emirates Writers Union in Abu Dhabi

حبيب الصايغ- الخليج: في وسط مستجدات تحيط بالمنطقة وتتسم بالخطر وشديد الأثر، تختلط أوراق أزمة قطر مع جيرانها، ويحاول الطرف الآخر المتسبب في الأزمة والمتمثل في دولة قطر تهوين ما يحدث والإيحاء بأنه طبيعي أو أنه إلى معالجة ومصالحة، خصوصاً في ضوء التحركات السياسية الأخيرة على أعلى مستوى، فما هو واقع أزمة دولة قطر مع المملكة العربية السعودية والجيران اليوم والآن؟ ما الذي استجد قبل وبعد “غزة”؟ وهل هناك تقارب قطري سعودي تتسبب دولة الإمارات في “فركشته” من خلال تأزيم ممنهج كما ادعى أخيراً راشد الهاجري مدير البروتوكول في متاحف قطر في مقال غرائبي يعد تحفة دهره ونشره في ال”مونيتور” الأمريكية؟

إذا صدر أحد أبواق الدوحة باللغة الإنجليزية هذه المرة ضمن محاولة توزيع أدوار معلومة، فإن سياسات قطر كما يتأكد الآن فقدت كل لغة للرشد بسبب انطلاقها من أرضية هشة عبر آليات قسرية ومفتعلة وصولاً بالضرورة إلى صب المزيد من الزيت على النار أو في المعنى الأصح “تأزيم الأزمة” .

وفيما أبدت مصادر خليجية مخاوف من عدم التوصل إلى النتائج المتوخاة في اجتماع مرتقب لوزراء خارجية مجلس التعاون لدول الخليج العربية نظراً لممارسات الدوحة على الأرض خصوصاً بالتزامن، وفي أعقاب التحركات السياسية الأخيرة بين العاصمة القطرية والرياض وعواصم الخليج، قالت إن الدوحة ما زالت تتطلع إلى التغريد خارج السرب، وقد جاء الاعتداء “الإسرائيلي” على غزة ليكشف أن التيار الأيديولوجي المؤثر ما زال قوياً وقد ترك آثاره في محاولات رأب الصدع خليجياً، فجهود أخذ المبادرة في غزة من خلال تنسيق تركي قطري باءت بالفشل، كما أن تلك الجهود بينت قوة تأثير تيار الإخوان المسلمين في السياسة القطرية .

لقد أصبح من الواضح أن عودة المياه إلى مجاريها بين الدوحة ومحيطها الخليجي أصبحت أصعب وأكثر تعقيدا في ظل اندفاع قطر تجاه أزمة غزة وتبنيها التوجهات التركية، فقد أعادت “غزة” قطر خليجياً إلى المربع الأول بعد التحركات السياسية الأخيرة و”بصيص انفراج”، ولا يخفى أن استقبال الدوحة لكلمة خادم الحرمين الشريفين حول فلسطين والعدوان “الإسرائيلي” على غزة وضرورة التصدي للإرهاب كان فاتراً، واتضح ذلك خصوصاً من بعض الحسابات القطرية الموجهة رسمياً على شبكة التواصل الاجتماعي، والتي لم تتمكن من أن تتمالك أعصابها فانطلقت تنتقد الكلمة سلباً قبل أن تنتبه إليها المراجع الرسمية وتوقفها .

توجهات الدوحة في غزة جاءت لتعقد من مشروع المصالحة، ولتناقض الرسائل المتصالحة لأمير قطر الشاب، فمن خلال تلك التوجهات بدا واضحاً تبادل الأدوار بشكل منظم بين قطر وتنظيم “الإخوان”، وبلغ ذلك ذروته في محاولة نشر الإشاعة الغريبة القائلة بوقوف المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ومصر خلف العدوان “الإسرائيلي”، وهي الإشاعة التي انطلقت أصلاً من الصحفي البريطاني ديفيد هيرست ومدونته “ميدل إيست آي” الممولة من قطر، كما هي المزاعم ذاتها التي كررها هيرست في مقالات أخرى وتناولتها الصحافة الغربية بشيء من التوسع، ما يعني أن المنطقة تراوح مكانها في ما يتعلق بمصالحة قطر مع دول الخليج وأن العلاقة بين قطر والسعودية والجيران إلى تأزيم لا إلى انفراج، وأن الرسائل المتناقضة من الدوحة لا تساعد على بناء ثقة “تآكلت” بسبب السياسات القطرية عبر السنوات، ويتأكد، إلى ذلك، أن الخيار القطري في الوصول إلى انفراج من خلال زيارة أمير قطر إلى العاهل السعودي لم يكلل بالنجاح بسبب تناقض الرسائل الذي لا يخدم الدوحة .

ثم إن عدم الصدقية واضح للعيان ابتداء من خلال عدم التزام الدوحة بآلية تنفيذ اتفاق الرياض، حيث “الوعود سهلة والتطبيق عصي على الدوحة”، وأدلة ذلك متعددة من بينها ذلك الدليل الصارخ المتمثل في التغريدة السيئة التي تطاول بها القيادي الإخواني المصري محمد الهامي على خادم الحرمين من الدوحة، وكذلك الأكاذيب المختلقة حول لقاء مزعوم بين سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية ووزير الخارجية “الإسرائيلي” .

الشعور العام أن الدوحة ليست صادقة في توجهاتها لرأب الصدع وتحاول أن تناور للخروج بأقل خسائر ممكنة بالرغم من أن الخلاف لا يتحمل ذلك ويتطلب الالتزام، ويُستنتج أن الدوحة موزعة بين اتجاهين: رؤية الأمير الشاب أن مصلحة حكمه في خروج قطر من العزلة التي قطعت أوصال اتصالاته مع الخليج وجعلت حلفاءه الوحيدين تركيا وتيار الإخوان المسلمين من جهة، والتأثير الأيديولوجي لتيار “الإخوان” على القرار القطري من جهة ثانية .

عزلة قطر باتت تؤثر تأثيراً حقيقياً في عودة المواطن القطري إلى حياته الطبيعية في محيطه القطري . تلك حقيقة المشهد، وفي منتصف المشهد يمضي بعض الأقلام القطرية الموجهة حكومياً في محاولة النيل من الإمارات وموقفها المضيء من رأب الصدع وإعادة التضامن بالشروط المتفق عليها . وعودة إلى راشد الهاجري الذي حاول في مقاله أن يسطح خلاف قطر مع السعودية والجيران مدعياً أن هناك محوراً قطرياً عمانياً كويتياً، ومدعياً أن التواصل القطري السعودي إيجابي ويحمل في طياته حل الأزمة الحالية، وأن دولة الإمارات تسعى إلى “فركشة” هذا التواصل والتأزيم، ويروج المقال للدعايات القطرية حول وقوف الدوحة مع الديمقراطيات الناشئة ومع شعوب المنطقة .

ما زال التوجه القطري الرسمي، مشتملاً على الإعلام الرسمي وإن في صيغ وأشكال مختلفة، يتفادى حقيقة أن سياسات قطر المتهورة هي أصل ولب الخلاف، وأنه لا يمكن معالجة مثل هذه الخلافات من خلال طرح إعلامي يسطح الأشياء ولا يتعامل مع الجذور والأسباب الحقيقية . الخلاف بين دول التعاون وقطر يعود إلى سياسات ورثها الأمير تميم بن حمد ولم يتراجع عنها إلى الآن لأسباب لا تُدرك حقيقتها، والتصريح الأخير من مملكة البحرين حول التجنيس السياسي والممنهج لبحرينيين في الدوحة دليل آخر على أن أسباب هذا الذي أمامنا أعمق، وأن دول الخليج لن تصمت أمام استهداف منهجي لمصالحها .

دائرة الاهتمامات القطرية تمددت سابقاً لأنها تحركت عبر ضبابية مقصودة أصبحت الآن مكشوفة وأثرت في صدقية قطر وقيادتها، وبعيداً عن البروتوكولات الرسمية والابتسامات التي قد تطرأ على اللقاءات لدى حضور المصورين، يبقى أن محاولات أمير قطر لفك عزلته لم تنجح، وأن المطلوب منه التزام واضح بتغيير سياسات قربت منطقة الخليج من الفوضى العربية، بالتزامن مع وعود متكررة لم تتحقق حتى الآن . المسألة ليست كما يدعي الكاتب الهاجري بأن الإمارات تسعى إلى تخريب التقارب القطري السعودي، فهذا التقارب غير موجود أصلاً، علماً أن الإمارات تنظر إليه كضرورة إماراتية خليجية . لا بد لقطر من تغيير جوهر سياساتها التي أسهمت في دعم جماعات متطرفة خربت العلاقات الخليجية الخليجية وهددت أمن واستقرار الشعوب والأوطان .

أما دعم قطر المزعوم للديمقراطيات فهذه لغة تدغدغ مشاعر بعض الغربيين السذج، والتعليقات التي وردت تبين مدى التهكم على المقال، فكيف تدعم قطر الديمقراطيات الناشئة وليس لديها حتى ضمن البيئة الخليجية أي تطوير لمفهموم وممارسة المشاركة الشعبية؟ فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف إذا أضفنا إلى المشهد دعم قطر للإخوان المسلمين وجماعات أصولية تكفيرية تعارض كل انتخاب إن لم يكن في مصلحتها؟ إن الاتصالات الدبلوماسية في هذه الفترة بالذات كبيرة وكثيرة، وما يجب التأكيد عليه هنا أنها لم تحقق أغراضها بدءاً من زيارة الأمير للملك عبدالله بن عبدالعزيز، وذلك لعدم الثقة في الدوحة، ما أسهم مع رسائل الدوحة المتناقضة، والتغريد مع الطائر التركي في موضوع غزة، واعتناق نظرية المؤامرة ضد الإمارات والسعودية ومصر، في المزيد من التأزيم لا الانفراج .