,

لماذا يروِّج “الإخوان” لـ “داعش” .. وكيف أسست “الجزيرة” لهذا الخط الدعائي؟


كيف تعاطى الإعلام العربي بشقيه التلفزيوني والمقروء مع دعاية الإرهاب منذ ظهور القاعدة ومن على شاكلتها إلى ظهور “داعش” والمتعاطفين معه؟ سؤال لا بد أن يطرح لعدة اعتبارات، أهمها على الإطلاق، أن “الإعلام” هو الذي يفترض به أن يكون خط الدفاع الأول في وجه مثل هذه التنظيمات.

“مبادرات” الجزيرة
كثير من القنوات الإعلامية تتبرأ اليوم من مسؤوليتها وتلقي كامل اللوم على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، التي لا تتمتع بالمصداقية أو المسؤولية على حد تعبير بعض الصحف والقنوات. إلا أن المسافة التاريخية التي باتت تفصلنا عن بدايات العمليات الإرهابية تجعل بالإمكان مراجعة هذه الحجج وتحليلها.

4a6d32092b26792fd8c5329f892846f3_w570_h650

لحظة إعلان الجزيرة مقتل بن لادن ويظهر على الشريط استنكار إسماعيل هنية ووصف بن لادن بالمجاهد

 

فقناة الجزيرة، وقبل اليوتيوب، أول قناة التقطت رسائل بن لادن، ثم الظواهري، وروجت لها، إلى أن تم منعها من جهات غربية، ما يذكرنا اليوم بالمنع والحجب الذي تطلبه أمريكا من “تويتر” وغيره بعد طول تجاهل. وبالتوازي مع هذا الخط الإعلامي الذي كان يروج لهذه الرسائل كان خطاب القناة يحذر مما أسماه “شماعة الإرهاب” التي تستغلها “الأنظمة الديكتاتورية”، لتعطيل مشاريع الإصلاح والديمقراطية العربية.

أما اليوم ومع تداعيات ما سمي بالربيع العربي فلا يزال كثير من المحللين السياسيين يرون هذه الشماعة بوضوح. ولكن بيد خطاب إعلامي سياسي يروج لمشروع “إخواني” يقدم نفسه للداخل والخارج كنموذج “إسلامي” معتدل وبديل عن هذا التطرف وأسبابه المذهبية، مروجا لرموزه الخاصة، مثل أردوغان الرئيس التركي أو زعيم حزب النهضة التونسي راشد الغنوشي وغيرهما من القيادات المرحب بها إخوانيا.

فالملاحظ أن الإعلام “الإخواني” يستفيد دعائيًا، من وجود هذه الجماعات للتخويف من مذاهب إسلامية كالسلفية، التي يدعي باستمرار أنها السبب في ظهور التطرف. وهو ما أغرى الغرب – أمريكا تحديدًا – في وقت سابق، لعقد صفقة سياسية، تحت مظلة ما سمي بالربيع العربي. فكانت النتيجة تمرير خطابات هذه الجماعات الإرهابية بل وبشاعاتها، في سبيل مصلحة إخوانية أعلى تروم السلطة والحكم.

خطاب مزدوج
شماعة الإرهاب بمفهومها الإخواني، هي الورقة التي لا تزال تستخدم لهذا اليوم، ما يجعل الغنوشي، إلى وقت قريب، وفي معرض الدعاية لحزبه أمام الأحزاب المنافسة في الانتخابات التونسية، يعيد هذا الخطاب للواجهة حين صرح في لقاء تلفزيوني لفرانس برس بأن جماعة النهضة هي “الأقدر على مقاومة الإرهاب” وأن “نجاح” تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس فيه “مصلحة دولية” وهو البديل للجماعات الإسلامية المتطرفة. كما أشار الغنوشي إلى أن الإرهاب ظاهرة منتشرة في المنطقة العربية كلها “بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الفاسدة” وأن “أول سبب للإرهاب هو الاستبداد، لذلك لا مستقبل للإرهاب في تونس لأن تونس تعيش الحرية الآن”.

إلا أن صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، على العكس من الغنوشي، لم تعد تصدق هذا الخطاب، إذ ترى أن الحريات الجديدة في تونس قد أدت إلى صعود في دعم تنظيم “داعش” في البلاد. وأوضحت الصحيفة في تقرير لها يوم الأربعاء الماضي؛ أنه بعد أربع سنوات من ثورات “الربيع العربي” لا تزال تونس ترسل عددًا من المقاتلين إلى سورية والعراق أكثر من أي دولة أخرى لكي ينضموا إلى داعش. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين في حزب النهضة، قولهم إنهم بالغوا في تقدير قوة الديمقراطية وحدها في الحد من التطرف العنيف. وقال أحد قياديي الحزب إنه يعتقد أن التنمية الاقتصادية على نفس القدر من الأهمية لإبعاد الشباب عن النشاط المسلح ودفعهم نحو السياسات السلمية. وأكد أنه من دون تنمية اجتماعية، لا يعتقد أن الديمقراطية يمكن أن تبقى.

ما نقلته الصحيفة على لسان مسؤولي الحزب، إضافة إلى حوار رئيس الجماعة الغنوشي مع “فرانس برس”، المتقاربَين زمنيًا، صورة واحدة فقط لتناقض أولويات هذا الخطاب الإعلامي؛ فالديمقراطية مقدمة حين يكون الخطاب موجها للخارج، بينما العكس في خطاب الداخل بعد التمكن من الحكم، حيث “التنمية” أولا. وهو ما يعتبره مراقبون، الخطاب السياسي ذاته لأنظمة عربية سابقة لطالما انتقدها هذا الخطاب الإخواني وثار عليها. تقاذف المسؤوليات

وفي السياق ذاته، هناك نوع آخر من الخطاب الإعلامي العربي، وإن كان بخلاف النوع الأول لا يحبذ تمكين “الإخوان” أو مشروعهم السياسي، إلا أنه يقع في المأزق الدعائي ذاته، للجماعات الإرهابية، إما بسبب تراخي وجهل إعلامي يتداول المادة “الجاهزة” في شبكات التواصل على عللها دون أدنى تمحيص في نتائجها الممكنة ثقافيا واجتماعيا. أو بسبب أكبر تعانيه المنظومة الإدارية والقانونية، بشكل عام.

f28f52023f87f4b9f78c3e8fda487c3c_w570_h650

فبحسب تقرير  لبحث الإمكانية التقنية لوقف انتشار مقاطع القتل الوحشية للجماعات الإرهابية. “تقاذفت هيئتان حكوميتان سعوديتان كرة النار المتمثلة في القيام بأدوارهما الرقابية تجاه هذا الأمر، وجاء في التقرير؛ أن رقابة المحتوى في الإنترنت تعد من اختصاص هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، ولم يكتمل انتقال تلك المهام لهيئة الإعلام المرئي والمسموع، فيما أكد مسؤول في هيئة الاتصالات أن كل ما يخص المحتوى هو من مسؤوليات هيئة الإعلام المرئي والمسموع”.

كما أشار التقرير، إلى نماذج وفرتها وزارة الداخلية، من خلال موقعها الإلكتروني “يمكن من خلالها الرفع بأي جرائم، سواء إرهابية أو إلكترونية، حيث إن نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية المعمول به في السعودية طبق في العديد من القضايا، خاصة ما يتعلق بقضايا الإرهاب، سواء عبر نشر مواد أو بيانات تثير القلق أو تدعو إلى العنف”. ولكن يبقى هذا التصرف، برغم أهميته خطا دفاعيًا أمنيًا يجب أن تسبقه وتجاريه خطوط دفاعية إعلامية. لا تزال الجهات المعنية؛ إعلاميًا وتقنيًا تتقاذف المسؤولية تجاهه.

ملاحقة “الخيال”
وفي المقابل، نجد “أمريكا” التي كانت تقف صراحة ضد أي حجب إعلامي أو ملاحقة لهذه المقاطع والصور الدعائية، خوفًا على اقتصاديات شركات التكنولوجيا الأمريكية، بحسب بعض المختصين، وحرصا على “الحريات” بحسب ما كانت تعلن. تتخذ، اليوم، منحى آخر مختلف تماما، تعاضَد فيه الإعلامي مع الأمني، وذلك بمجرد أن بدأت مقاطع داعش تمسها وتمس أمن مواطنيها.

فلاحقت الدواعش على “تويتر” كما لم تفعل من قبل، وحاصرتهم في “اليوتيوب” أولا بأول. وحذرت القنوات الإعلامية، الجديدة والتقليدية، من نشر هذه المقاطع، أو الترويج لها بأي شكل من الأشكال، لعلمها بأن هذا غاية ما يتمناه التنظيم القائم على الدعاية والخطف، وأن أي حرب من هذا النوع تعني “قطع الماء والهواء” عن هذه الجماعات الإرهابية التي تراهن على الضغط الشعبي ضد أعدائها، من جهة، وعلى الاستعطاف الشعبي، للداعمين لها، لتعظيم ما تحصده من تعاطف وتجنيد من جهة أخرى.

فيما يبقى كثير من خطابنا الإعلامي العربي، ما بين مروج لهذه الجماعات وفظائعها، لأهداف سياسية؛ حتى نتبين، ويتبين العالم لطفه و”ديمقراطيته” مقارنة بها، أو مروج لها بحثا عن “الإثارة” ومجاراة السائد العام، مفتقدا لحس إعلامي مسؤول، يدعوه لعدم الأخذ بمواد شبكات فردية، لا تقوم على أي تمحيص أو تحليل، حتى لا يشارك بسذاجة في الدعاية لـ”بطولات داعش” و”طائراتها” و”دولتها” المتخيلة.