هل انتهت أزمة قطر مع جيرانها؟


حبيب الصايغ-الخليج: هل انتهت أزمة قطر مع جيرانها؟ نبدأ بهذا السؤال المفصلي الذي تفرضه الضرورة الموضوعية . الكل يطرح السؤال والكل يبحث عن جواب، وتقتضي الطبيعة الموضوعية والفنية معاً لقضية بهذا الحجم، وصلت إلى هذه المرحلة من التعقيد ألا يكون حسمها قاطعاً بين يوم وليلة، لكننا أمام البشائر بين قوسين، وأمام المؤشرات التي يجب أن تقرأ بتأمل عميق وعلى مهل، إذا أردنا تقويم الخطوات من الجانب القطري ونتائجها حتى الآن.

قبل الخوض في ذلك، لا بد من التأكيد على أن مكان دولة قطر الشقيقة الحقيقي والأليق هو بيتها الخليجي، وأن كل خطوة تتخذها الدوحة وتسهم في تقريب غاية العودة إلى ذلك البيت هي خطوة مقدرة بما لا يقاس، وهي مصدر فرح لكل دولة في الخليج وكل بيت خليجي، وليس من داع لإثبات البدهيات المعلومة بهذا الصدد: التاريخ المشترك والحلم الواحد، الدم والنسب، المصير الواحد وانعكاس الإيجابيات في كل بلد خليجي على أهل الخليج ككل . من هنا فإن خير قطر هو أملنا جميعاً في الإمارات والخليج، وهو رجاء اليقظة وحلم اليقظة والنوم، كما أنه دعاؤنا اليومي، نحن أهل الخليج، فالأصل أن تكون قطر داخل السرب الخليجي لا خارجه، وأن تكون داخل السرب، فهذه ليست الدعوة إلى تغريد بصوت ولحن متماثلين حد التطابق . هذا غير مطلوب، وهو ضد العقل، وضد فكرة التقدم أصلاً . من حق قطر، ضمن المنظومة الخليجية، أن تتفرد برأي أو فكرة أو مشروع أو ريادة وابتكار، وهذا الحق نفسه متاح، بقوة العقل والعاطفة والقانون، لكل دولة خليجية بالقدر نفسه، لكن بما لا يشكل تدخلاً في شؤون الجيران، أو الإضرار بأمنهم عن طريق احتضان المعارضات، والتجنيس السياسي الممنهج، واحتضان ودعم التيارات الظلامية والمتطرفة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين .

المفارقة أن هناك اليوم اتفاقاً داخل مجلس التعاون، مكرساً عبر اجتماعات واتفاقات عدة، ومن خلال “الوزاري الخليجي” واللقاءات المكوكية التي قامت المملكة العربية السعودية فيها بدور إيجابي مهم ومقدر، على معالجات محددة للخروج من الأزمة، وكل هذه الاتفاقات كانت قطر أحد أطرافها، متعهدة، مرة، ومراراً، الوفاء بالتزاماتها تجاه الجيران، فماذا حدث بعد ذلك، وهل انتهت أزمة قطر مع جيرانها؟

لو اعتبرنا أو افترض البعض أن الأزمة انتهت بترحيل سبعة من قيادات الإخوان المسلمين من الدوحة إلى تركيا، فإن في هذه الفرضية المنطوية على قدر كبير من التعسف ظلماً للقضية في مبتدئها وخبرها، وتسطيحاً مخلاً لا يمكن تحمله .

ترحيل هؤلاء يشتمل، على ما يبدو، على احتضان قطري في الجهة المستهدفة، وتنبئ بذلك تلميحات الخطاب الإعلامي القطري الذي ما زال منغمساً في “ورطة” الأزمة وصانعاً لها، فهذا الإعلام الغريب والذي ثبت أنه مدار بأياد غير قطرية،، وقناة “الجزيرة” ترد فوراً، وجوقة المغردين التي تسيء إلى قطر أكثر مما تنفع ترد فوراً، إعلام لا علاقة له بالأرض والواقع، ومن نافلة القول، إن دول البيان المشترك، السعودية والبحرين والإمارات، مالت في خلال الأسابيع الأخيرة، بعد جولة الوفد السعودي برئاسة الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية إلى التهدئة الإعلامية، وذلك نحو إسهام الإعلام في خلق حالة من الود تتيح بيئة تفاهمات من ناحية، ومن ناحية ثانية تتيح بيئة خصبة لتنفيذ ما اتفق عليه، فقلوب دول الخليج على الدوحة، فيما السؤال الذي هو لسان حال الجميع: قلب الدوحة على مَنْ؟

استمر الإعلام القطري، للأسف، في اتباع أسلوبه السيئ المسيء، وعبّر عن نفسه وعن قطر بأسلوب فوقي، ومن وجهة نظر غير العارف أو الذي يتعمد نشر آراء خاطئة ومعلومات مغلوطة . زاد الطين بلة التوجه المتعمد في هذا الإعلام للتعتيم على أخبار “واضحة” تتداولها المنطقة كما يتداولها العالم، حيث “تلوين” الخبر يتجاوز كل الحدود المعقولة، وحيث حجب المعلومات التي تهم المواطن القطري عنه في وسائل إعلامه، وبدا واضحاً من خلال الممارسة السياسية القطرية “على أعلى المستويات” أن هذا خط ممنهج، ويستطيع متابع زيارة قيادة قطر إلى نيويورك التأكد من ذلك بسهولة، حيث وصول المساعي الرامية إلى إبعاد موقف قطر من تمويل الجماعات المتطرفة إلى مبتغاها بالرغم من استخدام كل الأدوات . المحاولة كانت مستميتة لكن الأبواب كانت مغلقة.

ورأينا الدفاع نفسه عن الشكل لا المضمون، وما مضمون الأزمة الحالية إلا نتيجة بذور تم غرسها سابقاً . هذه السياسات كانت تمر أو تُمرر في السابق بعيداً عن “الرادار”، ومن الصعب أن تمر اليوم، فالعالم قد يغفر لقطر أموراً متعلقة باستضافة كأس العالم لكرة القدم، لكن ملعب تمويل الإرهاب شأن مختلف، وهذا ما يجعل السياسة القطرية في موقف دفاع . الدوحة تعاني العزلة قطعاً، ولم تستطع فك هذه العزلة من خلال مفاوضات أجرتها للإفراج عن هذا الأسير الغربي أو ذاك .

ما هو السبب؟ لا بأس في العودة إلى درسنا المنطقي: التناقض في الخطاب، وحتى الخطاب المتصل بآفة العصر تنظيم “داعش” الإرهابي ما يشي بموقف ملتبس وربما هش . الحديث مستمر في “الجزيرة” وفي الصحافة القطرية ولدى المغردين المحسوبين على الدوحة حول “تنظيم الدولة الإسلامية” تحت سقف يلتزم التأييد أو يكاد، فيما يذهب المراقبون إلى أن عصب العمليات الحالية ضد “داعش” إنما ينطلق من قاعدة “العديد” .

تحاول الدوحة التوازن بين علاقتها بأمريكا وموقفها من “الجماعات” إياها، وتحول عزلتها أكثر بينها وبين تحقيق ذلك، ويشير المراقبون أنفسهم إلى أن كلمة قطر في الأمم المتحدة كانت باهتة، وكذلك مقابلتها على CNN، وسط مقاطعة عربية كبيرة للحفل الذي أقيم في نيويورك، ما سبب إحراجاً لمسه الجميع، فضلاً عما ورد في المقابلة المذكورة من استمرار وصف ما حدث في مصر ب”الانقلاب”، وعلى صعيد متصل، فإن الرئيس الأمريكي لم يقابل أردوغان الحليف الاستراتيجي للدوحة، والذي قابله هو نائب الرئيس، الأمر الذي يؤكد إشكالية حول دور الشريك التركي الذي بدأ، بدوره، يعاني العزلة، ويحاول كسرها ولو بافتعال تصريحات ومواقف متصلة بشؤون عربية داخلية (تصريح أردوغان الأخير حول اليمن وحزب الإصلاح مثالاً) .

لو عدنا إلى خطوات الدوحة على الأرض، فلن تتعدى الرؤية إبعاد سبعة من قيادات “الإخوان” المصريين، مع تكفل إقامتهم الجديدة في تركيا، والمفارقة أنه لا إعلام قطر قال الحقيقة بهذا الشأن، ولا مقابلة cnn، فالحقيقة هي أن قطر رضخت، ولو جزئياً لمطالب جيرانها، وبدلاً من التزام الشفافية في قضية رأي عام داخلية وخارجية بهذا الحجم، كان الاتجاه إلى التعمية على الموضوع بالقول إن هؤلاء رغبوا أنفسهم بإنهاء إقامتهم المؤقتة في الدوحة حتى يستطيعوا ممارسة العمل السياسي بحرية .

ليست إشارة إلى تفاهم خليجي صلب في أعقاب الأزمة بمهلها المتكررة، وإنما هو المضي المكشوف في سياسة الترقيع والتضميد، وفيما الجسد المسجى أحوج ما يكون إلى عملية جراحية عاجلة من شأنها إنقاذ المخ والقلب مثلاً، تجد معالجيه المفترضين يتجهون إلى إجراء عملية تجميل هامشية وغير لازمة أصلاً .

وليس المطلوب أكثر من تسمية الأشياء بأسمائها، وهو أول مقتضيات السياسة المتوازنة، وأول مبادئ المنظومة القيمية التي هي محل اتفاق نظري عام .

ضمن منظومة القيم هذه لا بد من تأمل مواقف “مفكرين” وسياسيين وإعلاميين ومتعاملين عبر وسائل التواصل الاجتماعي متخذة على أساس مضاد للإيمان بقيم الحق والعدل والخير والجمال إلى آخره، ويندرج تحت عنوان معاداة قيمة الحق، تحويل كل إيجابي لا يعجب التيارات المتطرفة إلى سلبي، وهل أدل على ذلك من موقف فريق مذكور من هؤلاء من كون مريم المنصوري قاتلت تنظيم “داعش” الإرهابي على رأس تشكيل جوي؟ هل أدل عليه من تأييد تنظيم يذبح الأقليات والناس على الهوية، ويبيع نساءهم من قبل مغردين هم أصلاً ضد المرأة والحداثة والحرية والإبداع والفن؟

في الواقع، إلى ذلك، يلاحظ الجميع التزام الإعلام الخليجي بالصمت تجاه أزمة قطر مع جيرانها بعد جولة الوفد السعودي الشقيق برئاسة الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية، وفي الطرف المقابل، في الوقت نفسه، مضى الإعلام القطري، خصوصاً عبر العذبة والزعاترة وغيرهما، في النيل من الثوابت والرموز، في لغة لا تستقيم وتهيئة أجواء مصالحة تسمح للمنطقة بالتقاط أنفاسها، فهل انتهت أزمة قطر مع جيرانها؟ لم تنته بالتأكيد، والأكثر مرارة أن مجلس التعاون كمنظومة يتأثر من ذلك سلبياً إلى أبعد الحدود بسبب سياسات الدوحة وعزلتها، وها هي القمة الخليجية المقبلة المفترضة في الدوحة بعد نحو شهرين مجهولة المصير، وذلك بعد إلغاء قمة الصيف التشاورية في الرياض، علما بأن قمة “التعاون” لم تتعثر منذ انطلاق المجلس مطلع الثمانينات، وكان المراقبون يشيرون دائما إلى المواظبة باعتبارها فعلاً إيجابياً يشفع لبعض أخطاء وإخفاقات “التعاون” .

ذلك بعض نتائج سياسات الدوحة، فيما المطلوب العودة إلى الذات والبيت والمحيط، وإلى ممارسة سياسة لا تبحث عن دور في المنطقة بقدر ما تبحث عن أمن واستقرار المنطقة والأخطار على مرمى حجر .

يقال ذلك دائماً ويقال اليوم والشعب القطري الشقيق في موضع الاحترام والإعزاز، والأمل عودة الدوحة سالمة غانمة إلى بيتها الخليجي، ففي ذلك مصلحة الجميع .
بعيداً عن العاطفة بل قريباً منها ومن صوت العقل إذ يطوق العاطفة برداء الحكمة: يرى المراقبون أن الدبلوماسية القطرية مطالبة في المرحلة المقبلة بمجموعة استحقاقات، وأولها الخروج من مأزق السياسات السابقة، ومأزق الاتهامات المتنامية بدعم الإرهاب، وهي مطالبة بإعادة علاقاتها الخليجية الطبيعية بدلاً من الارتماء في الأحضان التركية، وعلى المستوى الخليجي هي مطالبة بإنقاذ القمة الخليجية المفترضة قريبا في الدوحة، والتي يرى العديد من المراقبين أن احتمال عدم انعقادها قوي .

هل تستطيع قطر تحقيق ذلك أو الوصول إلى شيء منه؟

أغلب المراقبين والمحللين يرون أن الدوحة لن تنجح إلا إذا تخلت عن “خشبية الأداء” نحو مرونة الأداء، وهو ما لا يتيحه لها حلفها “المقدس” مع “الإخوان” والجماعات المتطرفة .