هل تمثل ملالا يوسف نموذجا للإسلام المعتدل؟


بجانب رحى الحروب الطاحنة التي تعصف بالعرب والمسلمين اليوم ولا سيما في الشرق الأوسط، هناك حرب موازية تدور رحاها من خلال الخطاب (اللغة).

هناك الكثير مما يمكن قوله حول الحروب والمعارك التي تحرق الأخضر واليابس في نحو عشر دول عربية شرق أوسطية، وهناك الكثير مما يمكن أن يقال حول الوصف الخطابي لهذه الحروب.

إن كان الخطاب مرآة يعكس الواقع الاجتماعي وإن كان الواقع الاجتماعي بذاته يشكل الخطاب الذي يمثله على ماهيته فإننا أمام مشكلة كبيرة تخص الإسلام كدين وفكر وممارسة.

الخطاب تقريبا بمجمله ولا سيما الذي نقرأه ونسمعه من أمهات الوسائل الإعلامية العربية لا يبشر بخير. إنه خطاب إقصائي يغلب عليه الشحن الطائفي ويتحكم فيه الدعاة والشيوخ والمراجع وكل منهم ينفث لغة تعكس محدودية قراءاته واتكالية عقله وأحكامه على نصوص منتقاة مجتزئة لتبرير مواقف سياسية وطائفية وشخصية.

ليون برخو- الاقتصادية: ووصل الأمر بالبعض إلى تبرير سفك الدماء والقتل والجهاد في غير محله والتعبير عن الانشراح والغبطة لوقوع أحداث دموية ضحاياها من الأبرياء واستخدام خطاب يلقي الزيت على النيران الملتهبة التي أخذت تحرق مجتمعات ودولا عربية وإسلامية برمتها، إلى درجة صار كل مختلف، ليس فقط من حيث الدين أو المذهب بل حتى من حيث قراءة النص، عدوا يستحق القتل.

لا أعلم إن كان الذين يذكون نار الخطاب الإقصائي هذا يدركون مدى الأذى الذي يلحقونه بالإسلام كفكر وعقيدة وممارسة. ولا أعلم إن كان هؤلاء يدركون أن هناك من يقف لهم بالمرصاد كي يلتقط ألفاظهم وتعابيرهم في محاولة للبرهنة أن مواقفهم هذه متجذرة في الإسلام كدين وفكر ومجتمع وممارسة وأن المجتمعات العربية والإسلامية هذا ديدنها منذ نشأتها وحتى اليوم.

كم هو مفرح ومحزن في آن واحد أن يقع اليوم حمل تقديم إسلام وسطي معتدل على عاتق أناس عاديين حملوا العبء هذا على أكتافهم في عالم يعج بالهلع والخوف من مجاميع ودعاة وشيوخ ومراجع اختطفوا الإسلام لأغراض سياسية وطائفية وأيديلوجية وشخصية بحتة.

وبين هؤلاء تأتي الباكستانية المسلمة الشابة ملالا يوسف ذات الـ 16 ربيعا الحائزة على جائزة نوبل للسلام هذا العام مناصفة مع الناشط الهندي لحقوق الطفل كايلاش ساتيارثي.

قد لا يعرف الناس في الشرق الأوسط الكثير عن هذه الفتاة المسلمة الرائعة، ولكنها ذات صيت ومكانة بارزة في دنيا الغرب المعادية للإسلام. وشخصيا تتبعت مسيرتها وأرى أنها قدمت للإسلام لوحدها ما فشل فيه الشرق الأوسط برمته من سياسييه ودوله وشيوخه ودعاته ومراجعه وإعلامييه.

بنت لم تبلغ سن الرشد تقف أمام الأمم المتحدة وتظهرعلى غلاف أكثر المجلات العالمية انتشارا، وفي برامج حوارية في أكثر محطات التلفزة الغربية تأثيرا وهي مرتدية باحتشام زيا يظهر إسلامها وتنطق خطابا تفتخر فيه بكتاب ربها وإسلامها وتراثها وحضارتها وثقافتها الإسلامية، ولكنه إسلام معتدل يعاكس أغلب ما يأتينا من الشرق الأوسط.

يقف الناس إجلالا لها وهي وإسلامها مادة تدريسية في المدارس الابتدائية في السويد – وهي أخطر وأهم مرحلة في تكوين الإنسان – وتقدم كنموذج إسلامي ذي بعد أخلاقي وإنساني لا يقبل انتهاك حقوق الإنسان ويذم ويدين الممارسات العنيفة للمجاميع الإسلامية وبكل هذا تستند إلى نصوص وأحاديث هي متوافرة للآخرين ولكنهم يهملونها.

يتعلم الناس هنا منها أن الله حسب التعاليم الإسلامية لن يرسل الناس إلى الجحيم في مجتمعات تمنح حقوق الإنسان وحرية العبادة وحرية التعبير وحقوق التعليم. يتعلم الناس منها أن المجاميع التكفيرية الظلامية تسيء استخدام الإسلام ونصوصه لغاياتها الخاصة.

يتعلم الناس منها أن الإسلام يجعل مسألة التعليم والتربية للكل دون استثناء ليس فقط حقا بل واجب.

ومن أقوالها المأثورة: “ليس هناك طريق أفضل للتعبير عن أهمية الكتاب من القول إن الله اختار الكتاب ذاته وسيلة لإيصال رسالته إلى البشر”.

وهكذا صارت اليوم ملالا صوتا إسلاميا قويا وذا صدى للفتيات في العالم أجمع تقريبا ولا سيما للمرأة المسلمة التي ترى فيها نموذجا للمشاركة الفعالة في المجتمع مع الحفاظ على روح ورونق الإسلام والالتزام بعقيدته.

الإسلام ليس دينا للاضطهاد والإقصاء، تؤكد ملالا في أقوالها وكتبها، أنه دين التسامح وإيواء وقبول الآخر.