,

جاسر الجاسر: من بقي في واشنطن؟


جاسر الجاسر-الحياة.. لعلها المرة الأولى في التاريخ الأميركي التي يتحرك فيها وفد بهذا التنوّع شاملاً ثلاثة أجيال من الحكومة الأميركية، ما يعني أن الزيارة ستكون ترتيباً كاملاً للعلاقة بين واشنطن والرياض، وأن الطرفين سيرسمان خطة عمل مشتركة للسنوات المقبلة على المحاور كافة. كان الشكل الأول للزيارة أنها لتقديم العزاء وتهنئة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، لكن وضعها القائم يدفع بها إلى أن تكون زيارة مفصلية وعلامة فارقة في التاريخ، فهي تستهدف العمل المشترك وزيادة التقارب.

استعان الرئيس أوباما بكل الشخصيات ذات العلاقة الودية العميقة في مشهد فريد تعبيراً عن أهمية المملكة ودورها المؤثر في القضايا الإقليمية والدولية. يبدو أن أوباما شكّل هذا الوفد ليكون قريباً من السعوديين والحوار معهم بشفافية كاملة، ومناقشة كل نقاط التوافق والاختلاف، وفتح منافذ واسعة للحوار، مستثمراً الصلات المتينة لبعض أعضاء وفده المنتمين إلى مرحلتي بوش الأب والابن، ثم إن هذا الفريق الكبير بمن فيه من جمهوريين يسعى لتأطير العلاقة القوية بروح جديدة تشير إلى شكل جديد من التعاون يختلف في تفاصيل كثيرة، والاتفاق على ملفات عديدة لمرحلة مقبلة، خصوصاً أن الجمهوريين سيشكلون التوجه الأميركي في الفترة المقبلة.

النتائج المتحققة ستكون لافتة ومفصلية، فالقضايا التي سيتناولها الطرفان تشمل الإرهاب الذي تحاربه السعودية بضراوة، حتى إن نجل الملك سلمان كان أحد الطيارين الذي نفّذوا الطلعة الأولى في التحالف الدولي ضد الإرهاب، ما يعني أن موجة عاصفة من القوة والاجتثاث ستكون إحدى علامات السعودية في المستقبل القريب.

الملف اليمني قضية ساخنة ويتطلب معالجة متماسكة، ولا شك في أن الرياض ستطرح خطتها الواضحة لمساعدة اليمن على تجاوز أزمته الخانقة وإعادة هيبة المؤسسات الشرعية. واشنطن ستشرح مسار محادثات الملف النووي الإيراني، وستؤكد، من جديد، دعمها السعودية وضمان عدم تحوله إلى خطر على أمن المنطقة واستقرارها.

الملك والرئيس سيطرحان كل الملفات، والمحصلة هي الوصول إلى خطة متوافقة تعلن مرحلة جديدة في معالجة قضايا المنطقة فضلاً عن التعاون الثنائي.
تعلن الزيارة بضخامة وفدها واختصار الرئيس أوباما زيارته إلى الهند من أجل القيام بها بهذه السرعة محورية الدور السعودي وأنها الطرف الأكثر قوة وحضوراً في كل الملفات، خصوصاً أن مواقفها ترتكز على حماية المنطقة العربية والقضاء على الإرهاب والعمل على التنمية عموماً.

جاءت أميركا بكل تاريخها ورمزها لتؤكد أن السعودية الحليف الأساس والقوي، وأن العمل من دونها لا يؤدي إلى نهايات. وأن الترتيب معها سيؤدي إلى سرعة الحل وحلحلة كل قضية عالقة ومواجهة كل التهديدات والتوسّعات والنيات التحريضية التي تطلّ برأسها في المنطقة.

أدركت واشنطن من خلال السرعة الفائقة في ترتيب بيت الحكم أن السعودية تمضي بخطوات واثقة ورؤية واضحة للمستقبل، وتحرص على إعادة بناء الثقة السعودية في سياستها، ومحاولة رسم خريطة للسنوات المقبلة، ومحاولة تجاوز كل نقاط الاختلاف. هي زيارة سيترجمها الواقع أكثر من البيانات والتصريحات، وسيعرف الآخرون قوة السعودية وصلابتها في كل المواقف التي تحمي الأمة وتجنّبها أخطار التشرذم ونيات الاستحواذ والتعدي.