,

هل هدف السعودية التخلص من النفط؟


هذا ما يعتقده إلياس هِنكلي، وهو مستشار استراتيجي للاستثمار في الطاقة، فقد كتب مقالا تحليليّا طويلا، حول سياسة المملكة الإنتاجية خلال أزمة أسعار النفط الحالية. والمقال تحت عنوان مثير، “لحظة تاريخية: السعودية تتوقع قدوم نهاية عصر النفط”، نشره في مجلة “إنيرجي ترِند إنسيدر”.

بداية تحليله كانت مقبولة إلى حدّ ما، حول أسباب رغبة السعودية في التمسك بإنتاج أكبر كمية ممكنة من النفط، على الرغم من احتمال حدوث انخفاض كبير في الأسعار. لكنه سرعان ما جنح إلى الاعتقاد بأن السعودية الآن حريصة على بيع البرميل بربح ولو متواضع، فهو خير لها من أن يظل البرميل تحت الأرض لا تجد له زبونا! وأقول يا سبحان الله، هل بلغ بنا الأمر إلى هذا المستوى من التفكير غير المنطقي؟ وقد ذكر في بداية الحديث احتمال أمرين، إما أن السعودية كانت فعلا تحاول حماية حصتها في السوق النفطية، وإن كانت لم تحدد، حسب “علمنا”، مستوى إنتاجها الذي تريد الإبقاء عليه.

ولم يتطرق الكاتب، كما اعتاد كثيرون، إلى احتمال نية السعودية كبح جماح إنتاج النفط الصخري، الذي كان من الواضح أنها لم تعره اهتماما ولم تعتبره أصلا منافسا لإنتاجها. ولكن هنكلي استنتج، وهو بطبيعة الحال مخطئ، أن هدف السعودية من رفع كمية إنتاجها، حتى ولو كان ذلك على حساب تدني الأسعار، إنما هو بقصد التخلص من أكبر مقدار ممكن من النفط، قبل أن يُحْكم عليه بالبوار. وبوار السلعة هو انعدام الرغبة في شرائها. وعزا ذلك إلى سببين، الأول يعود إلى المقولة الشهيرة التي تتنبأ بالاستغناء عن النفط قبل نضوبه، كما استغنى الإنسان عن الحجر، مع وفرته في الطبيعة، والثاني، وهو الأكثر تأكيدا في نظره، هو خوف المملكة من احتمال تطبيق قوانين ما يسمى بضريبة الكربون، التي تدعو إلى الحد من استخدام المصادر الهيدروكربونية كمصدر للطاقة. وهي من الأفكار التي يصعب قبولها وهضمها بحسب “الاقتصادية”.

وفي الواقع، ليس لدينا ما يؤيد هذه النظرة، وهي بعيدة جدّا عن المنطق السليم، بل وتُعبِّر عن عدم إدراك من جانب كاتب المقال ولا فهم لطبيعة حياتنا الصحراوية واقتصادنا الذي يعتمد كليّا على الدخل النفطي. فالإسراف في إنتاج ثروة استراتيجية محدودة الكمية التي تمثل مصدر دخلنا الوحيد هو عملية انتحارية بامتياز، بصرف النظر عن الدوافع والمبررات ومتطلبات السوق النفطية.

ولكن دعونا ننظر إلى الموضوع من الوجهة الاقتصادية، لنرى هل التخلي والاستغناء عن المصادر الهيدروكربونية يخدم الصالح العام العالمي؟ فهل يخفى على الاقتصاديين، وهذا من اختصاصهم، تكلفة بناء البنية التحتية للصناعة النفطية التي يعتمد عليها العالم اليوم؟ وماذا عن مصير القوى البشرية الهائلة التي تمتهن هذه الصناعة العريقة؟ هل سيتم تسريحهم من أجل تحقيق أحلام وتكهنات ما أنزل الله بها من سلطان؟ وهل وصل بنا الأمر، كما يظن كاتبنا الفاضل، إلى التفكير في التخلص من مصدر معيشتنا، لأن فلانا من الناس تنبأ بقرب زوال أهمية الذهب الأسود في حياة البشر؟ عندما نُحَكِّم عقولنا نجد أن فكرة الاستغناء عن النفط كمصدر للطاقة قبل نضوبه أمر يتطلب من المجتمع الدولي كثيرا من الإعداد والاستعداد وتحمل الأعباء المالية الضخمة المترتبة على إيجاد بنية تحتية جديدة تناسب المصادر التي سوف تحل مكان المشتقات النفطية، إن وُجِدَت. وسؤال المليون، ماذا سيحدث لنا ولمستقبلنا لو أننا تبنينا سياسة الإسراف في الإنتاج وتمادينا في إهلاك ثروتنا النفطية تحت ذريعة الخوف من الاستغناء عنها، ثم نجد بعد حين أن العالم لا يزال بحاجة إلى المصادر النفطية بأي ثمن، منْ نلوم إلا أنفسنا؟.

وفيما يتعلق بما يسمونه ضريبة الكربون، التي تهدف إلى تحجيم استخدام المصادر النفطية من أجل الحد من الانبعاثات الغازية الضارة، نوجه السؤال التالي. هل من المعقول أن يتم تطبيق نظام عالمي يحد من الاستخدامات النفطية في وقت لا توجد فيه بدائل جاهزة ومناسبة واقتصادية؟ فالعالم في وقتنا الحاضر يمر بمرحلة انتقالية جديدة تتمثل في وصول معظم مصادر الإنتاج النفطي التقليدي ذروة الإنتاج، وهو الذي يمد السوق النفطية بما يزيد على 70 في المائة من الإنتاج العالمي. ويكاد يتساوى الطلب على النفط مع المعروض. وهو ما ينبئ بقرب حدوث خلل في التوازن بين الشقين لصالح الطلب. أي أن الطلب سيزيد على المعروض خلال مدة ليست طويلة، واحتمال حدوث مجاعة طاقة أمر وارد. وقد ترتفع الأسعار إلى مستويات قياسية بسبب نقص الإمدادات. ولن يكون للمجتمع الدولي حينئذ أي خيارات سوى قبول الأمر الواقع والاستمرار في استخدام ما يتبقى من المصادر النفطية قليلة التكلفة. نقول هذا الكلام على الرغم مما يبذل على الساحة الدولية من جهود تهدف إلى ترشيد الاستهلاك واستخدام مصادر الطاقة المتجددة. فالطلب العالمي لا يزال ينمو سنويّا بما يقارب مليون برميل في اليوم. مع التأكيد على أن مصادر النفط غير التقليدي، من أنواع النفط الصخري والرمل النفطي وغيرها لن تستطيع تعويض النقص المتوقع من إنتاج النفط التقليدي خلال العقود المقبلة. وهذا مما سيزيد من الحرج الدولي للحصول على مصادر طاقة جديدة ذات كفاءة عالية.