,

حتى لا نقع في فخّ “الكتب الأكثر مبيعا”


فاضل التركي- الاقتصادية: الكتب كثرة في وفرة؛ مطبوعة ومنسوخة وإلكترونية ومسموعة ومرئية، دُولة بيننا مجاناً، والشبكات الاجتماعية ومواقع بيع الكتب ومواقع رفوف الكتب والقراءات والمراجعات والتوصيات والمناقشة ما أكثرها عدداً ونشاطاً.

القراءة إن لم تكن متخصصة أو بحثية أو مفروضة علينا، ستكون في الأغلب قراءة في وقت الفراغ والراحة،  قراءة المتابعة وقراءة الاستمتاع وقراءة ندخر منها شيئاً نشارك بها من نحب.

هذه القراءة الاختيارية هي محل اهتمامنا الآن. وإنني لا أرى مهرباً في هذه الحال من ربطها بكل وسائل المعرفة والمعلومات والعصر الاستهلاكي والثقافة الشائعة (Pop Culture).

قد نتصور أن كثرة المشتغلين بالكتابة سيوجد جواً من المنافسة، وهذا سيخرج لنا مجموعة في القمة ستخرج على أيديهم كتب عالية المستوى.

لكننا ننسى أن الكثرة بلا تقنين ولا معايير ستوجد الفوضى والرداءة، وتكرار أسماء الكتاب والعناوين، سيوجد تلقائيا رواجاً للرداءة بما تفرضه قوة الدعاية والتسويق.

سننتهي بجمهور اقتنع بشكل فوري وسيذهب هذا الحال بكل عال إلى العزلة والتراجع وربما جعل الكاتب الجيد يفقد كل بواعث الكتابة ويتوقف.

إذن، نحن – أعني الذين يقرأون – أمام أمر يجدر بنا أن نحسمه، وإذن، ليكن السؤال الجدير بالاهتمام محل اهتمامنا: كيف نميّز الكتب لنعرف ما يستحق أن نقرأ وما لا يستحق؟.

لنأخذ معياراً بسيطاً من محاولة في بداية القرن الماضي. ضجة بدأت في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين كان قد أطلق شرارتها جون إرسكين.

كان هناك تنظير من أجل اختيار كتب توصف بالعظيمة وتستحق القراءة للارتقاء بمستوى الفكر الشعبي في الولايات المتحدة الأمريكية، والارتقاء بالتعليم العام وتوسيع الاطلاع على مجالات شتى وخبرات.

232df7c2e2aa08d91e78236ae0a5279b_w570_h0

وهي بالفعل ضجة لقيت مدافعين ومعارضين من المهتمين بالشأن العام التعليمي والثقافة الشعبية ووجهة البلاد ومستقبلها.

ومثلا، يضع مورتيمر أدلر هذه المعايير ويقول إنه كي نصف كتاباً ما بالعظيم فإنه: يجب أن تكون للكتاب أهمية معاصرة إذ يرتبط بمشكلات وقضايا يومنا الذي نعيشه.

يجب أن يكون الكتاب لا ينضب، إذ يمكن إعادة قراءته تكراراً والخروج منه بفائدة، أن يكون الكتاب يلامس أفكاراً وقضايا كثيرة غاية في الأهمية شغلت عقول المفكرين في الـ 25 قرناً الماضية.

تستطيعون تخيل نوعية الكتب التي ستظهر لو ألقينا نظرة على أي قائمة من الكتب، وهناك قوائم فعلاً يطلق عليها أسماء من قبيل قائمة أعظم 100 كتاب عظيم مثلا.

سيكون من ضمن هذه القائمة كتاب العناصر لإقليدس وكتاب الإلياذة لهيموروس وأعمال أرخميدس ورياضيات نيوتن وأعمال شكسبير وعوليس لجيمس جويس وهكذا.

كان من ضمن المعارضين لجماعة الكتب العظيمة، جون ديوي، بحكم أنها ستجعل التخصصات متداخلة وقد يكون فيها ما يضر وما يؤخر بجانب كل فكر عظيم ومتعة عالية.

ولا يأتي من ضمن الانتقادات أن هذه الكتب تهتم فقط بالكتب الغربية وحسب مهملة كل ما يحدث في بقية العالم بكل حضاراته وتراثه وأفكاره وقضاياه وكتبه العظيمة.

رغم كل هذا الجدل في هذا الموضوع، فإن القارئ اللبيب، سيطل على هذه القوائم ويختار منها بعض أهم الكتب وبعض ما يستحق القراءة، وربما يتذكر شيئاً نافعاً من طبيعة معايير اختيار الكتب كي يقرر ضمن اختيار كتاب سيدفع فيه مالاً ووقتاً وجهداً وسيساهم في تشكيل شخصيته وبنيته الثقافية؛ بنيته الثقافية بعناصرها التي يفترض به كفرد، أن يختار تكوينها وتنميتها جيداً ويعتني بها اعتناء.

قد يخطر ببال، أن من يريد أن يختار، فمن السهل عليه أن يلجأ إلى موقع أمازون أو إلى مواقع رفوف الكتب وإلى مراجعي الكتب في الإنترنت.

لكن هذا اللجوء مشكل في حد ذاته.

مثل ذلك مثل التماس توصية بخصوص هاتف أو جهاز إلكتروني نشتريه من خلال دقائق نبذلها على محركات البحث، وليس بالخفي على مجربٍ، دورُ الدعاية وكثرة الذين يكتبون توصيات سطحية أو سيئة أو مغرضة أو مدفوعة في الإنترنت.

فبعد جرعة التوصيات والشعور بالاطمئنان حسب معيار الأكثرية – الذي لا يحمل قيمةً في حقيقة الأمر – أو طريقة العرض، يظهر للمرء بعد خبرة مع الجهاز المختار أو الكتاب، تصورٌ مغاير للانطباع الأول المكتسب من التوصيات.

وقد لا يكون اللجوء للتوصيات الشخصية أو على الإنترنت شيئاً سيئاً لهذه الدرجة التي أصف، وقد وصفت إشكالية الأمر، حيث أصبحت المراجعات تلحق بأسماء حقيقية يعرفها المرء مع ازدياد خبرته بالأسماء، وبمادة التوصية عن طريق التجربة والخطأ.

ربما وقعت مرة في فخ عنوان مغرٍ من الكتب “الأكثر مبيعاً” متكئاً على الشعبية التي تحملها هذه الكتب، التي ربما لا تكون شعبية في الواقع إلا بعد وضع عنوان “أكثر مبيعا” عليها.

لا أظن أحداً جرب هذه التجربة، يحترم أي كتاب تهش له تلك العبارة. قد نمسك بكتاب فاز بجائزة، ثم نقرأ، ونعرف حكاية تلك الجائزة بعد أن نعرف حكاية الكتاب.

وقد يكون آخر في قائمة صحيفة شهيرة في الترشيحات، نقرأ ثم نعرف الصحيفة الشهيرة.

قراء الكتب يفهمون ولا ينسون. ثم ألم يقل هايزنبرج، أن المختص هو ذلك الذي جرب أكبر عدد من الأخطاء؟

إذا افترضنا أن هناك رغبة أو حاجة في قراءة كتاب، فأظن أن المعيار الذي يحدد لنا ما يستحق أن نقرأه، هو أن نعرف قبل القراءة، مقدار الإسهام والإضافة التي في الكتاب.

كم في هذا الكتاب من إضافة معرفية أو أدبية أو فنية أو خبرة إنسانية.

هذا أولاً، ثم كم من الجهد بذل في جعل هذا الإسهام قابلاً للاستهلاك والوصول للقارئ وإمتاعه وزيادة تحصيله معرفة أو خبرة؟ ما هو مقدار الإضافة فيك أنت بعد قراءة الكتاب مقارنة بك قبل ذلك؟

أعرف أن هذه مهارة مكتسبة، لكن الذي يجب أن نعرف، هو أن من يتخذ القراءة عادة حياة، يراها ضرورية لا يستغني عنها، فعليه أن يتعلم ويكتسب هذه المهارة.

إن وجد من يسعفه بتوجيه أو يعطيه خبرة جاهزة عن كتاب يضمن له فائدته، فليتمتع بهذا الحظ حيناً وستكون هناك أخطاء سيكتشفها اللبيبُ.

الوقت قصير، والكتب كثيرة، لكننا معشر “دود الكتب”، نريد أن نقرأ ما يستحق، وأن نقرأ كل ما يستحق فيما يتقاطع مع اهتماماتنا.

عندما نختار كتاباً لنقرأه، فإننا نختار عزيزاً ستعيشُ معنا ذكرياتُه عُمُرَنا كلَّهُ، والعزيز لا يكون عزيزاً في لمح البصر ولا يُقترحُ عليك اقتراحاً.

من يجاور مكتبة عامة، وهو محظوظ، فليتعلم اختيار أعزائه كتباً وأفكاراً وأدباً وخبرة مجموعة في طيّ، ومن بخسه الحظ، فمكتبته العامة ما توفر الإنترنت من كتب ورقية ممسوحة أو نصوص إلكترونية وسمعية.

نحن لا نقرأ حياء من أحد، ولا لنباهي بكم الكتب التي نقرأ أو نجمع ونمتلك، والعبرة ليست بكم! لسنا نقرأ بأساليب القراءة السريعة – الزائفة – ولا أخواتها.

لا نقرأ كل ورقة وحرف وكلمة إلا اختياراً ولسبب مقنع، نقرأ بنضج.

نحن نقرأ بوحشية نختار بها الكتب والأجزاء والصفحات وكل شيء.

ونقرأ مع هذه الوحشية بكل اهتمام ومتعة ومن أجل كل عصارة فكر وعلم وأدب وفن يجعلنا أكبر وأكثر مرحاً وحياة وإنتاجا.