,

كيف نشأت عمليات “غسيل الأموال؟ وكيف تتم؟ وما آثارها على الاقتصاد؟


تعد جريمة غسيل أو تبييض الأموال من التحديات التي لا تواجه حكومة بعينها بل العالم أجمع نظراً لتشعب أنشطة أصحاب الأموال القذرة التي يريدون دمجها داخل إطار قانوني يمنع مطاردتهم ويضفي شرعية على تعاملاتهم.

ويمكن اعتبار غسيل الأموال إفرازا طبيعيا لهيمنة عصر الرأسمالية مع الرغبة في تعظيم الربح أياً كانت الوسيلة، وهو ما يخلخل البنيان الاقتصادي ويؤثر سلباً على التوزيع العادل للثروات، فيما تعد سويسرا القبلة الأولى لهذه العمليات نظرا لشهرتها في إدارة الثروات حول العالم.

وبحسب تقرير لـ”رويترز” فإن عام 2011 كان استثنائيا لسويسرا مع إنطلاق ما يسمى “ثورات الربيع العربي” وهروب الأموال، حيث تلقى مكتب مكافحة غسيل الأموال السويسرية 1625 تقريرا عن عمليات “غسيل” تجاوزت قيمتها مجتمعة ثلاثة مليارات فرنك.

نبذة تاريخية

يمكن تعريف غسيل الأموال على أنها جريمة تتمثل في تغيير صفة الأموال التي تم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة مثل تجارة مخدرات، رق، دعارة، فساد سياسي، رشاوي، تجارة سلاح، تجارة عملات، تهرب ضريبي وغيرها وتحويلها من أموال قذرة إلى مشروعة عن طريق سلسلة من التحويلات المالية والنقدية.

هذه العملية تنطوي على إجراءات لطمس وإخفاء المصادر الفعلية للأموال المشبوهة ليكون من الصعب بمكان اكتشاف هويتها الأصلية ودمجها داخل الاقتصاد بممارسة أنشطة وأعمال مسموح بها.

وتشير بعض الدراسات إلى أن مصطلح “غسيل الأموال” جاء من العمليات التي قام بها بعض أعضاء المافيا في عشرينيات القرن الماضي بشراء غسالات أتوماتيكية تقبل العملات المعدنية ذات الفئة الصغيرة كأجر لغسل الملابس، وفي نهاية كل يوم يجري إضافة جزء من مردود تجارة المخدرات على إيراد تلك الغسالات كي تبعد الشبهة عنهم.

كانت المافيا تجني أرباحاً طائلة من تجارة المخدرات بفئات صغيرة من العملات المعدنية وكانت في حاجة إلى تلك الحيلة لإيجاد سبيل لوضع الأموال في البنوك.

لكن بعض الآراء ترى أن فضيحة “ووترجيت” الشهيرة التي اجتاحت الولايات المتحدة في سبعينيات القرن العشرين بعد نشر صحيفة” واشنطن بوست” تفاصيل عنها والتي أطاحت بالرئيس “ريتشارد نيسكون” أثبتت بما لا يدع مجالا للشك ضرورة تتبع المسارات المتعددة لعوائد أموال تلك الفضيحة لمعرفة المرتكبين الأصليين، وتأصيل مصطلح غسيل الأموال في الأذهان لمكافحته.

بالطبع فإن “آل كابوني” المثال الأبرز في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي على غسيل الأموال رغم أنه في الأساس سجن مدى الحياه بسبب التهرب الضريبي، حيث لم يكن “غسيل الأموال” معروفا بعد، ومع التدقيق في تقصي الحقائق وجمع الأدلة اتضح ما يشير إلى إخفاء أموال تهريب وتجارة غير قانونية بشكل غير مشروع، فيما تحول الرجل إلى أسطورة من أساطير المافيا.

saudi-money-laundering-650_416

خطوات غسيل الأموال

العملية في حد ذاتها معقدة وساهم التقدم التكنولوجي في صعوبة تتبعها أمام المصارف التي تعد الهدف الأبرز أمام عصابات تجارة المخدرات وغيرها من الكيانات التي تسعى لإضفاء الشرعية على تحرك تلك الأموال، وهي تمر في الغالب بثلاث مراحل:

-الإحلال

في هذه المرحلة يستهدف “غاسل” الأموال تغيير طبيعتها عن طريق تحويلها من عملة محلية إلى أجنبية وتحويلها للخارج إلى دول أقل صرامة في تفعيل القوانين أو تعزز سرية الحسابات والأرصدة، أو إيداعها مصارف بدلا من تهريبها للخارج، وشراء أصول يمكن بيعها بشكل مشروع لاحقاً.

وغالباً ما تكون هذه الخطوة التي يطلق عليها الغسيل المبكر للأموال هي الأخطر والأصعب، حيث تبقى عرضة للإكتشاف قبل محاولة إضفاء الشرعية عليها لأن بعض الدول تشدد على ضرورة إبلاغ المصارف الشرطة إذا تجاوز إيداع الأموال رقما بعينه أو أثار ريبة موظفي البنك.

-التغطية أو التمويه

وهي مرحلة يمكن تسميتها بالفصل، حيث يعمد “غاسل” الأموال إلى إجراء العديد من العمليات المصرفية المتوالية “المشروعة” لإخفاء الأصل غير المشروع للأموال وفصله عن نظيره القانوني المشروع.

هذا بالطبع يضمن عدم تتبع اقتفاء أثر تلك الأموال القذرة من جانب السلطات المسؤولة، وتكون غالباً ذات طابع دولي بين عدة أقطار، حيث يساهم الإنترنت وعمليات التحويل المصرفي خلاله فيها بشكل كبير، ويزيد تعقيد الأمر تواطؤ بعض المصارف في ذلك أو تراخيها في اكتشاف الأمر.

-الدمج أو التجفيف

هي آخر المراحل، حيث يتم من خلالها استيعاب الأموال القذرة غير المشروعة عن طريق دمجها أو “تجفيفها” بعد “غسلها” في أشكال مشروعة ويكون من الصعب فصلها أو تمييزها عن نظيرتها المشروعة التي تخضع للقانون.

هذا يعني إعادة ضخ هذا الأموال عن طريق أنشطة استثمارية أو خلافه داخل بنيان الاقتصاد عن طريق القطاع العقاري أو السياحي مثلا، وبالطبع يكون للمشتقات المالية، والأسهم والسندات نصيب كبير من استثمارات هذه النوعية من الأموال.

الآثار السلبية

فيما تشير بعض تقديرات صندوق النقد الدولي إلى ان أنشطة غسيل الأموال تمثل حوالي 2% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فهذا يعني أن تقييمها يتجاوز مليارات إلى تريليونات الدولارات.

وهي لا ترتكز فقط في الولايات المتحدة، وأوروبا، ولا أمريكا الجنوبية فقط، بل تجاوزت ذلك لتأخذ صفة العالمية مع تعدد أوجهها خصوصا مع انتشار الفساد الذي يطال السياسيين.

-ومن أبرز سلبيات غسيل الأموال الضغط على النقد الأجنبي مع عمل تحويلات خارجية كبيرة، بجانب التأثير على أسعار الصرف.

-وجود أموال غيرشرعية بصورة كبيرة يعني خللا في العلاقة بين الإيرادات العامة للدولة وانفاقها، حيث لا تحصّل الخزانة العامة ضرائب كافية، ومن ثم تضطر للاستدانة محليا أو خارجيا لتمويل المشروعات.

-تذبذب حاد في أسعار الأوراق المالية صعودا وانخفاضا نتيجة صفقات معقودة من أموال مغسولة، وهو ما قد يعني خسائر كبيرة للمستثمرين.

-تفشي الفساد مع تقديم رشاوي للمسؤولين بشكل عام بغية تحقيق مصالح شخصية ومن ثم إضعاف سلطة الدولة وكيانها والتأثير سلباً على معدلات الاستثمار الأجنبي فيها.

-انعدام المساواة في توزيع الدخل القومي، وما يترتب على ذلك من زيادة الاضطرابات الاجتماعية والاحتجاجات، وارتفاع معدلات الجريمة.

-تعظيم دور “الاقتصاد الخفي أو غير الرسمي” البعيد عن مراقبة الأجهزة الحكومية وعدم خضوعه للقوانين وما يترتب على ذلك مع ضياع حقوق الدولة من الضرائب والرسوم.

-قد يتسبب تزايد عمليات غسيل الأموال في انهيار المصارف أو إفلاسها نتيجة عدم تمكن المقترضين من سداد ما عليهم نتيجة ضياع أموالهم في مشروعات تفتقد لجدوى مالية واقتصادية حقيقية.

-ارتفاع التضخم نتيجة زيادة الإقبال على شراء سلع أو أصول بذاتها وارتفاع معدل عرض النقود.