,

جاسر الجاسر: عرضة سعوديّة على أنغام إيرانيّة


جاسر الجاسر- الحياة.. حين تراقصت طهران فرحاً وطرباً احتفاءً بالاستحواذ على صنعاء، لتضمّها إلى قائمتها السابقة من العواصم العربية، لم تكن تدرك أن طبولها الصاخبة وجدت صدى سعودياً، وهو الذي تستثيره العرضة مترافقة مع صيحة العوجا، فجاءت السعودية متدافعة إلى اليمن لتسكت الطبول الإيرانية، فهي لا تعرف سوى رقصتها العريقة وكل ما عداها نشاز، وهي لا تطرب إلا حين يكون صوتها وحده الأعلى وسطوتها الأقوى.

الفرق بين الطبول الإيرانية والسعودية، أن إيقاع الأولى خلق عزلة طاحنة لها ثم أسكت حنجرتها، بينما الثانية استجلبت العالم أجمع، فتسارع إليها من كل حدب وصوب ليكون راقصاً مستمتعاً حتى لا تفوته الحفلة الرائعة فيكون من أهل الظل والمقاعد الخلفية.

السعودية لا يطربها شيء مثل طبول الحرب، وإن كانت تحاول الابتعاد عنها فلا تلجأ إليها إلا حين تصبح ضرورة فيأتي أبناؤها بشغف الطرب الذي منعوا عنه طويلاً.

كانت إيران تظنّ أن طبولها في اليمن ستعلن سطوتها وإكمال دائرة عدوانها، فلقد سبق لها أن قرعتها في بيروت ثم بغداد ثم دمشق، فلم يأتها شر حتى تيقنت أن صداها يرعب العرب ويزيد شتاتهم فلا يجرأون على مواجهتها، فقررت التمدد والتوسع معتبرة نداءات العرب وجنوحهم إلى السلم وحرصهم عليه، علامات ضعف وتراخٍ، وأنهم لن يستطيعوا لها صدّاً وهذا ما حدث، فلم ترد عليها السعودية بل دعتها كثيراً إلى أن تكون جارة صديقة فتمنعت وأبت، مستمتعة بلعبة جمع العواصم، إلا أنها ليلة الخميس لم تنم حين جاءها هدير السعودية مثل السيول المنقولة من دون صخب وخطابات، فحطّ على سماء اليمن ليكتسح كل طموحات طهران ومعها مأجوريها الذين باعوا وطنهم تزلفاً وارتزاقاً، فلم يذوقوا منذ تلك اللحظة للنوم طعماً بعد أن جعلت قوات التحالف ليلهم كنهارهم والموت أحب إليهم من الحياة.

مشكلة إيران أنها لا تتحدث العربية ولا تفهم ثقافتها وتاريخها، واعتبرت يوم «ذي قار» من الأساطير، ولم تفهم دلالات ومغازي أن يجمع سلمان بن عبدالعزيز وهو خادم الحرمين الشريفين، ورجل التاريخ، وسلطان التجارب الصعبة، إخوته في قصر العوجا المطلّ على الدرعية، حيث كانت الإشعاعة الأولى لنصرة الإسلام النقي وبداية الدولة، لم تستوعب أن الحلم سمته الأساس، لكن غضبه يراه الخصم قبل أن يسمعه حتى وقعت الواقعة، وسقطت الغمامة، وتجلت القوة القائمة على إيمان راسخ بنصرة الجار والأخ، وحماية الأهل وذوي القربى، فاستبانت الرؤية، وتكشفت الحقائق بعد أن ضاعت فرص التراجع والتوبة والركون إلى المودة.

يقول سلمان بن عبدالعزيز: «الحزم دعم للسلم والأمن في العالم» وعاصفته ستعيد التوازن، وتطير سكرة الرؤوس الغائمة فلا تجد سوى حلم ظنته من فرط السُكر حقيقة واقعة.

إن عادت طهران إلى الحوار، فالباب مفتوح والدعوة قائمة شرط أن يعود اليمن سعيداً وآمناً، أما ما عدا ذلك فإن صنعاء ليست سوى بداية أطلقت في الجسد الإسلامي روحاً جديدة مدارها الثقة بالله والتفاؤل بالعزة والنصر، ولن ترضى ضيماً بعد اليوم بعد أن ذاقت طعم النصر مهما كانت المخاطر، فالرجولة لا تتجزأ، والمواقف الصادقة لا تسمع صوتين مختلفين في وقت واحد.