,

ما هو الاقتصاد الخفي؟ وكيف يتحرك؟ وما أسبابه وآثاره؟


إذا حدث عطل في السباكة الخاصة بمنزلك وطلبت سباكا لإصلاحه وأعطيته أجره نقدا وهو –غالبا غير مرخص له بالعمل- كون ذلك بعيدا عن حيز خدمته الرسمية فهذا يدخل تحت نطاق الاقتصاد الخفي أو الظل الذي لا تعلم الحكومة عنه شيئا.

نفس الأمر ينطبق على أعمال كثيرة مشابهة مثل الموظف الذي يتخذ من سيارة أجرة سبيلاً للحصول على دخل إضافي بعد دوامه، وكذلك من يعطي دروسا خصوصية لا يدفع مقابلها ضرائب، ومن تجهز الحلويات والمعجنات في بيتها وتبيعها لزبائن تتواصل معهم عن طريق الجوال.

وفي الوقت الذي تعد فيه ممارسة هذه الأعمال أمراً مشروعاً إلا أن وجودها خارج الإطار الرسمي لإحصاءات الدولة وتحصيل الضرائب يربك حساباتها وخططها المستقبلية، ويجعل بياناتها عن معدل البطالة، ومتحصلات الضرائب، والمداخيل مهترئة وباقي البيانات الاقتصادية غير معبرة عن الواقع الفعلي.

وعلى الرغم من خطورة ما تم الإشارة إليه سابقاً، إلا أن هناك نوعا يعد أشد خطراً يتمثل في ممارسة أعمال غير مشروعة بطريقة تتنافى مع القانون وتندرج تحت مظلة الاقتصاد الأسود مثل تجارة الأسلحة، الدعارة، تجارة البشر، الابتزاز، التربح من الوظيفة الحكومية، إجبار عمال تحت إمرتك في العمل على إنهاء أمورك ومتطلباتك الخاصة، التزوير في المستندات الرسمية مقابل الحصول على أموال، الرشاوي.

تحديد إطار ومفهوم المصطلح

المصطلح بحد ذاته يتضمن أكثر من توصيف مثل الاقتصاد الخفي، الظل، المستتر وغيرها من الدلالات التي تؤدي في النهاية إلى معنى واحد يتمثل في أنه ممارسة من جانب فرد أو كيان مؤسسي لنشاط غير مشمول ضمن إحصاءات الحكومة، ولا يدخل ضمن حسابات الناتج المحلي الإجمالي، ويتميز بالسرية التي تعني هنا عدم معرفة الجهات الرسمية بتحركه.

هذا بالتبعية يقود إلى إعلائه شعار الغاية تبرر الوسيلة التي تعد جوهر المبدأ الميكافيللي الشهير، فتجاوز القانون جائز ضمن نطاق هذا النوع من الاقتصاد بل حتمي في بعض أشكاله مثل تجارة المخدرات وتجارة البشر.

ولمزيد من التدقيق فإن اقتصاد الظل أو الاقتصاد الخفي ينطوى تحت سقفه نوعان يرفعان هذا الشعار أولهما يتعامل بسلع أو يقدم خدمات مسموحاً بها مثل ورشة غير مسجلة، نجار لا يحمل رخصة من الجهة المختصة، مدرس يعطي دروسا خصوصية دون علم الجهات المسؤولة وهو يسمى الاقتصاد غير الرسمي.

أما النوع الثاني فيقدم خدمات أو يتاجر في سلع غير مشروعة قانونا مثل تجارة الأسلحة، سرقة الآثار وبيعها، الرشاوي، تجارة الأعضاء البشرية، التهرب الضريبي ويسمى الاقتصاد الأسود، أو المشين أو اقتصاد الجريمة.

وهنا بالطبع يبرز دور عمليات غسيل الأموال التي تستهدف تعظيم الثروات بشكل غير مشروع عن طريق إخفاء طبيعة وهوية الأموال المحصلة من أنشطة غير مشروعة لإدخالها ضمن الإطار المشروع.

أسباب توسعه وانتشاره

فتش عن غياب العدالة الاجتماعية، ووجود أنظمة سياسية مستبدة أو جائرة والتي تخلف بدورها أطرا اقتصادية لا تقل عنها ظلما وجورا في هيكلها التنظيمي ومن ثم بيئة صالحة للتهرب من الضرائب، والعمل غير المتسق مع القوانين بشكل عام.

كما يساهم التفاوت الكبير في المداخيل، وعدم تغطية أجور الشرائح المتوسطة والأدنى منها لسبل معيشية كريمة لأصحابها في تشجيعها على البحث عن وظائف اضافية لسد الحاجة أو اتخاذ النهج غير المشروع في تلقي رشاوي أو القيام بأنشطة مخالفة للقانون بحسب “أرقام”.

أيضا غياب دور الحكومة فيما يتعلق بمعالجة حاسمة للفساد بكل أشكاله، وضعف تغطيتها لمراقبة حركة الأسعار ونقص السلع في الأسواق مما يشجع بعض الفئات على استغلال ذلك للقيام بدور تكميلي وتحقيق مكاسب طائلة خارج الإطار القانوني الرسمي للدولة.

كما أن ضعف مخرجات التعليم يساهم في توسع هذا النوع من الاقتصاد، حيث إن تزايد أعداد الخريجين غير المؤهلين يعني عدم توافقهم مع متطلبات سوق العمل في وظائف جيدة، ومن ثم يكونون على استعداد للعمل في أنشطة أقل كفاءة لا تتبع أطرا تنظيمية خاضعة لمراقبة السلطات.

دور التكنولوجيا في توسيع نطاقه

ساهم التطور المتسارع في مجال التكنولوجيا ووسائل الاتصال وتحويل الأموال عبر الانترنت، ومؤخرا استخدام الجوالات في الدفع الالكتروني في توسيع نطاق الاقتصاد الموازي أو الخفي لا سيما مع تزايد السرقات التي تتم عبر الانترنت.

وفي الوقت الذي توجد فيه قنوات شرعية معروفة عالميا لتحويل الأموال، وعقد واتمام الصفقات، تبقى هناك نوافذ لممارسة الأنشطة بأشكال غير مشروعة مثل النصب الإلكتروني، ووجود شركات سمسرة وهمية للتجارة في العملات والعديد من الأصول والتي تستهدف جمع الأموال عن طريق الخداع.

أيضا عمليات السطو الإلكتروني التي كان أشهرها مؤخرا ما تعرضت له “سوني بيكتشرز” في نوفمبر/تشرين الثاني العام الماضي من اختراق كلفها ملايين الدولارات، فيما شهدت شركات وبنوك عمليات قرصنة وكذلك مواقع لحكومات حول العالم عمليات مماثلة لأغراض متعددة لكن يبقى لها فاتورة اقتصادية في النهاية.

كيفية تقدير حجم الاقتصاد الخفي أو المستتر؟

تعد السرية– أي البعد عن عين الجهات التنظيمية- من الأسس التي يقوم عليها هذا الاقتصاد، لذا يكون من الصعب بمكان تحديد حجمه بدقة، لكن تظهر الدراسات أنه أكثر نشاطا وقوة في الدول النامية رغم أنه تواجده يشمل العالم بأسره.

وإجمالا توجد خمس طرق لحساب حجم هذا الاقتصاد تتمثل في التقدير المباشر عن طريق تحديد الأنشطة التي يعمل بها، وطريقة أخرى تعتمد على الناتج المحلي عن طريق الانتقال من الجزء إلى الكل وهي مطبقة في الولايات المتحدة.

أما الطريقة الثالثة فتعتمد على الاستقصاء المعتمد على بيانات مداخيل وإنفاق فئة معينة من المستهلكين ومقارنتها مع فئات أخرى، ويكون الفارق بين المداخيل والإنفاق الحقيقي ممثلا للاقتصاد الخفي.

وهناك طريقة تعتمد على متابعة مؤشرات جزئية لتحديد الفارق بين ما هو مطلوب استخدامه من خدمات لتحقيق دخل معين والمستهلك فعليا ليمثل حجم هذا الاقتصاد، وأخرى تعتمد على إحصاءات تخص قوة العمل والإنتاجية.

وتشير التقديرات إلى ارتفاع حجم هذا الاقتصاد كنسبة من الناتج المحلي في أمريكا إلى 8.4% عام 2007 من 6.7% عام 1990، و15.3% في ألمانيا من 11.8% خلال نفس الفترة، لكنها تقفز إلى أكثر من ربع حجم الناتج المحلي في إيطاليا وتحديدا عند 26.8% من 22.8%.

ما يخلفه توحش هذا الاقتصاد من سلبيات

يبقى راسخا لدى البعض أن الاقتصاد الخفي أو الظل يعد تطورا لما خلفته الرأسمالية، حيث دفع “جشعها” الذي يعلي من شأن صاحب رأس المال ويتودد إليه “بتفصيل” كل شيء على مقاسه سواء من الحكومات أو حتى أصحاب المشروعات إلى زيادة الفجوة في توزيع الثروات ومن ثم انعكاسات سلبية على المجتمع يمكن ذكر بعضها فيما يلي:

– تضليل البيانات الحكومية الرسمية عن طريق إعطاء نسب غير صحيحة للمؤشرات الاقتصادية ومن ثم ايقاع الضرر بالخطط المستقبلية للدولة، وكذلك عدم تحديد إمكاناتها بشكل واقعي حقيقي.

– المساهمة في التهرب من دفع الضرائب ومن ثم تقليص إيرادات الدولة وتحجيم قدرتها على تقديم الخدمات وصيانة المرافق.

– قد لا يساهم هذا الاقتصاد في رفع الديون لكنه في المقابل يساعد في نمو النوعيات الأسوأ منها عن طريق الحصول على قروض باهظة التكلفة خصوصا من بنوك الظل المصرفي التي لا تخضع للرقابة.

– حدوث خلل في المنظومة الاجتماعية عن طريق تفشي الجرائم وارتفاع أعداد المجرمين وما يتبع ذلك من ارتفاع تكاليف النفقات الأمنية.

وعلى الرغم من ذلك توجد بعض الآثار الإيجابية لهذا النوع من الاقتصاد يتمثل أهمها في المساهمة في حل مشكلة البطالة دون الحاجة إلى اعداد خطط قد تستغرق زمنا لارتباطها بالدولة.

كما يساهم أيضا في تخفيف أعباء الطبقات المتوسطة وما دونها عن طريق توفير مداخيل إضافية لدعم استقرارها اجتماعيا.