,

التسويق العصبي… مستقبل الدعاية والإعلان القادم


“التسويق العصبي Neuromarketing” هو مجال جديد في بحوث التسويق يهتم بدراسة جوانب الحس والسلوك لدى المستهلكين عند تعرضهم لمؤثرات “مثل الإعلانات” اعتماداً على مجموعة من التطبيقات لقياس نشاط الدماغ البشري. أول وكالة للتسويق العصبي في العالم وهي “SalesBrain” تلخصه في جملة “هو عملية فهم موضع زر الشراء في عقل العميل.”، وعلى الرغم من كونه مجالا لا يزال تحت الاختبار إلا أنه ينبئ بمستقبل واعد لمن يعمل فيه في السنوات القادمة.

منذ شهور كانت شركة فيسبوك قد كلفت وكالة SalesBrain لعمل دراسة عن “كيف يرى مستخدمو فيسبوك الإعلانات ويتفاعلون معها عبر الجوالات مقارنة بمشاهدتها على التلفاز؟” أجريت الدراسة على 70 شخصا واستخدم فيها الباحثون أجهزة عصبية لقياس إفرازات الجلد ونبضات القلب وحركات العين ونشاط الدماغ، وجاءت نتائج الدراسة لتشير إلى أن الناس يحصلون على معلومات أكثر من إعلانات الجوال عن إعلانات التلفاز، ذلك لأن محتوى التلفاز يرهق العقل في التركيز على المضمون أكثر من مشاهدة الإعلانات الجانبية، وأن قرب شاشة الجوال من أجسادنا يجعلنا أكثر انتباها لكل شيء في الشاشة ونتفاعل معه بإيجابية أعلى.

“إيتيال درور” مدرب في قسم الأعصاب بجامعة هارفارد، وقد اختير لعمل اختبارات عصبية من أجل تغيير شعار شركة McCain Foods الكندية للأغذية، يقول: “لا يحكم الجمهور على المنتجات أو الخدمات من الجانب العقلي بأدمغتهم، إذ أن معظم قرارات الشراء تتم بشكل غير عقلاني. بشكل عاطفي إن جاز التعبير”. خرج درور بهذه النتيجة بعد تجربته البحثية لحساب شركة “ماكين” حيث طلب من 1700 شخص أن يقوموا بمطابقة كلمات مثل “الأسرة”، “الدفء”، “الإنتاج الضخم”، و “مصنع” بشعار الشركة القديم –عبارة عن مستطيل أسود بداخله اسم الشركة- مرة، وبالشعار الجديد -الذي يصور شروق الشمس فوق الأراضي الزراعية- مرة أخرى.

neuroscience RE

تعتمد البحوث العصبية على عدة تطبيقات علمية تقيس أنشطة معينة من جسم الإنسان، فالخلايا العصبية تحت الجلد، والعرق، وقراءة حركة العيون “ترميز الوجه”، والقياسات الحيوية “البيومترية”، ونبضات القلب كل هذه العمليات تعبر بدرجة عالية من الدقة عن فهم سلوك الإنسان تجاه المثيرات التي يتعرض لها، وهذا الفهم في مجال التسويق والدعاية والإعلان من شأنه تعريف المسوقين والمعلنين بأقصر الطرق لتوجيه المستهلك إلى إتمام عملية شرائية.

تقوم الشركات العاملة في هذا المجال أثناء أبحاثها باستخدام كاميرات لتتبع حركة العين وتعبيرات الوجه لحظة بلحظة، وسماعات وخلايا حسية لقياس أنشطة الدماغ والتي تعبر بدورها عن مشاعر الإنسان بهدف تحديد طبيعة التجاوب مع الإعلانات ووسائل الدعاية بمختلف أشكالها. “دان ماشين” مدير وكالة الدعاية “HeyHuman” اللندنية يقول: “نحن كمعلنين نريد فهم نظام العقل البشري حتى لا نفرط في الرسالة الإعلانية التي نوجهها إلى المستهلك، وحتى لا نُثقل عليه بوقت زائد عن الحاجة” بحسب “أرقام”.

في مايو الماضي، اشترت الشركة العملاقة في مجال أبحاث السوق “نيلسن” شركة “Innerscope” العاملة في بحوث الأعصاب بمدينة بوسطن البريطانية والتي تساعد شركات مثل “ياهو” على دراسة سلوك المستخدمين عن طريق الاختبارات الحيوية التي ترصد معدل ضربات القلب وإفرازات الجلد. يقول “كارل ميرسي” المشارك في تأسيس Innerscope منذ عشر سنوات، وهو طبيب مخ وأعصاب مشارك في جامعة هارفارد: “القياسات الحيوية تقضي على أي تحيُّز وتُبلغ المُعلنين بالمشاعر الحقيقية وتفاعل الجمهور. لا شك أننا نشهد ارتفاعا ليس فقط في مجال الأعمال التجارية، ولكن أيضا في تنوع العملاء وفي عدد أولئك الذين يقومون بضخ استثمارات أكبر”.

psychologie_klinische_psychologie-edit

نفس الشركة كانت قد عقدت دراسة تجريبية العام الماضي لمجموعة من المشاركين داخل معامل شركة “وارنر” للإنتاج الإعلامي، وعرضت عليهم بعض البرامج التلفزيونية المتنوعة، وفي أحد أركان الشاشة أظهرت شعارات لبعض العلامات التجارية المختلفة مثل سامسونج، M&M، وسنيكرز. استخدم الباحثون أجهزة تتبع حركة العين وتعبيرات الوجه ولاحظوا أن الانتباه للعلامة لتجارية كان واضحاً عندما كان حجم ووضع الشعار على شاشة التلفاز واضحاً، وعندما قاموا بوضع أحد تلك الشعارات بشكل شبه خافت على الشاشة، لم ينتبه المشاركون كثيراً لها، وهذا بالتأكيد يعطي درساً مفيداً للمعلنين عبر الشبكات التلفزيونية.

أيضاً، موقع تويتر طلب في العام الماضي من وكالة “Neuro-Insight” للتسويق العصبي القائمة في لندن، إجراء تقييم ردود فعل مستخدمي الإنترنت أثناء تصفحهم لمحتوى الشبكة، حيث قام الباحثون باستخدام سماعات رأس للمشاركين لقياس نشاط الدماغ وهم يتصفحون محتوى الويب. وجدوا أنه عند استعراض المستخدمين للجدول الزمني timeline للتغريدات على حسابات تويتر الخاصة بهم… كانت أدمغتهم نشطة جداً كما هو الحال عندما فتح البريد الإلكتروني، وكانوا أكثر انخراطا مما كانت عليه مثلا عند قراءة محتوى أحد المواقع أو سماع مقطع صوتي أو مشاهدة مقاطع الفيديو.

“هيزر أندرو” المدير التنفيذي للشركة يقول: “عندما يُقلِّب المستخدمون بين التغريدات بسرعة، لا تستطيع أدمغتهم تسجيل العلامات التجارية في الذاكرة، إلا إذا كانت بسيطة وملوَّنة بجرأة”، وهذا درس آخر مفيد للمعلنين والناشرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

في النهاية، يبدو أن علم الأعصاب اتحد مع علم التسويق -الذي نشأ منذ فترة ليست بعيدة- كي تصير تطبيقاته قائمة على مجهودات بحثية وتجارب علمية لا مجرد نظريات مبنية على التجربة والخطأ فقط، ولكي يقدم لقطاع الأعمال رؤية مختلفة للوصول إلى العملاء، في عالم تقلص فيه الاهتمام بالإعلانات مع كثرتها، ويهرب المستهلكون من الإعلانات على مواقع وسائل الاعلام الاجتماعية ويتخطون الإعلانات على جوانب المواقع المختلفة ومحركات البحث، وكأن علم الأعصاب يقول لهم: عليكم أن تتحولوا إلى علم الأعصاب من أجل قراءة أفضل لعقول زبائنكم وجذبهم إلى منتجاتكم والخدمات التي تقدمونها بطرق أكثر فاعلية، أو أنه يريد أن يخبرنا كمستهلكين أنه “لا مفر أبداً”.