,

أسواق النفط إلى أين؟


وليد خدوري- الحياة.. تشير دراسة لمؤسسة «وود ماكينزي» البريطانية للاستشارات النفطية، صدرت مطلع أيلول (سبتمبر)، إلى أن مشاريع بقيمة 1.5 تريليون دولار تقريباً، مخصصة لتطوير حقول نفط تقليدية حول العالم وأخرى غير تقليدية في أميركا الشمالية، لا يمكن السير بها إذا استمر سعر البرميل عند 50 دولاراً. وتؤكد الدراسة إخفاق محاولات شركات النفط تقليص التكاليف الخاصة بنفقات الشركات الهندسية العاملة في الخدمات النفطية، بواقع 20 – 30 في المئة، فلم يتحقق سوى 10 – 15 في المئة.

ما معنى تأجيل تطوير هذا الكم الضخم من الحقول الجديدة؟ أولاً، سيؤدي ذلك في المستقبل المنظور إلى الإخفاق في تأمين الإمدادات الكافية لتلبية المعدلات السنوية المتزايدة للطلب، وعدم التوازن هذا في العرض والطلب العالميَّين، سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط. ثانياً، إن عدم تطوير حقول جديدة لن يؤثر في ميزان العرض والطلب العالمي الحالي، لأنه لا يحجب نفطاً متوافراً حالياً، إذ لن تشعر الأسواق بالخلل في ميزان العرض والطلب إلا بعد سنوات، عندما تتبين نتائج تأخير الاستثمارات الحالية. ومعروف أن تطوير أي حقل يتطلب ما بين سنتين وخمس سنوات، اعتماداً على التركيبة الجيولوجية للحقل، وعمقه، والطبقات الممكن الإنتاج منها، وبعده من مراكز الإنتاج الأخرى، ما يؤثر في سرعة تأمين الخدمات الهندسية الضرورية للتطوير وكلفتها.

ثالثاً، إن الإشارة إلى ضرورة توافر سعر 50 دولاراً للبرميل على الأقل من أجل إنجاح استثمارات بنحو 1.5 تريليون دولار في حقول جديدة، تعني معدلاً سعرياً متوسطاً.

وعلى رغم أن الدراسة افترضت ضرورة توافر هذا السعر لتطوير كل من النفوط التقليدية وغير التقليدية، واضح أن السعر على علاقة أكثر بالنفوط غير التقليدية الأعلى كلفة من النفوط التقليدية في دول الخليج وبقية البلدان الأعضاء في منظمة «أوبك». رابعاً، وضعت شركات كثيرة خططاً لتطوير حقول جديدة يمكن الاستمرار فيها حالياً على رغم انخفاض الأسعار، على أساس أن تكاليف شركات الخدمات الهندسية النفطية ستنخفض بنحو 20 – 30 في المئة. لكن هذه التكاليف انخفضت بمتوسط بلغ 10 – 15 في المئة فقط، ما يعني أن تكاليف الإنتاج ستحافظ على مستوياتها العالية. وستبقى، من ثم، العوامل الاقتصادية الخاصة بتطوير الحقول الجديدة سلبية، وستضطر الشركات إلى تأجيل قرارات التطوير فترة أخرى، أو إلى تقليص أعمال التطوير بقدر الإمكان، فتقرر تطوير بعض الحقول التي كان مزمعاً تطويرها، وتؤجّل البقية إلى وقت آخر. هذه استنتاجات يصل إليها المراقب للأرقام والاستنتاجات التي قدّمتها دراسة «وود ماكينزي».

وكمثال على حجم خفض الاستثمارات في تطوير حقول جديدة، تشير الدراسة إلى أن شركات النفط قلّصت موازناتها العالمية للاستثمار في التطوير بنحو 220 بليون دولار لعامي 2015 و2016. وتلفت الدراسة بعد التحليل الاقتصادي لنحو ألفي حقل منتج عالمياً، إلى أن 0.2 في المئة فقط من الإنتاج، أو نحو 190 ألف برميل يومياً، غير مربحة عند 50 دولاراً للبرميل.

وتؤكد أن أكثر الحقول المعرضة للخطر هي في الأراضي الأميركية (أي حقول النفط الصخري) والحقول البريطانية في بحر الشمال. لكن الدراسة تضيف أن 1.5 مليون برميل يومياً من الإنتاج، أو نحو 1.6 في المئة من الإمدادات العالمية، معرّضة لخطر التوقّف، خصوصاً في الولايات المتحدة، في حال انخفاض الأسعار إلى نحو 40 دولاراً للبرميل.

يُذكَر أن تقليص نفقات شركات الخدمات النفطية الهندسية وتكاليفها أدى إلى استغناء هذه الشركات عن الآلاف من موظفيها، ناهيك عن دمج بعضها ببعضها الآخر. وستؤدي هذه الخطوات إلى خسارة الشركات كثراً من المتخصصين، فيما ستفضي عمليات الدمج بين هذه الشركات المتخصصة إلى تقليص المنافسة مستقبلاً بين هذه الشركات الهندسية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف خدماتها مستقبلاً وزيادة النفقات لتطوير الحقول. وتحاول الشركات النفطية تحسين النظم المطبقة في تطوير الحقول وتحسين التقنية، من أجل تقليص النفقات عن مستواها الحالي.

تتوقع «وود ماكينزي» تحسّن الأسعار بدءاً من عام 2017، على عكس توقعات كثر من المراقبين الأكثر تشاؤماً. وترجّح الدراسة تعاوناً أكبر وأوثق بين الشركات النفطية العاملة وشركات الخدمات هذا العام. وحذرت الدراسة من الأخطار المحيطة بالحقول القديمة نسبياً في بحر الشمال، والتي يُحتمَل بلوغها ذروة طاقتها الإنتاجية، ويُتوقَّع هبوط إنتاجها طبيعياً في المستقبل المنظور. ونبهت من الجوانب الاقتصادية لحقول النفط الثقيل في فنزويلا (حقل أورينوكو) وكولومبيا.

ما الذي يمكن استنتاجه من معطيات هذه الدراسة؟ أن سعر 50 دولاراً للبرميل تقريباً مهم جداً كمؤشر إلى مدى عافية الاستثمار الاقتصادي في تطوير الحقول النفطية الجديدة، خصوصاً حقول النفط الصخري الأعلى كلفة في أميركا الشمالية. ومعروف أن الأسعار الحالية لنفط «برنت» تراوح بين 45 و50 دولاراً للبرميل، أي أنها قريبة جداً من السعر المطلوب. أما التوقعات بانخفاض الأسعار إلى نحو 40 دولاراً للبرميل فغير واقعية، والسبب أن هذا السعر المنخفض جداً سيلحق نكسة بحقول النفط الصخري.

لكن بما أن صناعة النفط عالمية، ثمة عوامل أخرى تتداخل في هذه الصناعة، فالحديث عن احتمال نضوب بعض الحقول البريطانية القديمة في بحر الشمال، سيترك آثاره في الأسواق العالمية، نظراً إلى أهمية هذه النفوط لقربها من الأسواق الاستهلاكية الأوروبية. وسيترك ارتفاع تكاليف إنتاج النفط الثقيل في فنزويلا بصماته على الأسواق، والسبب الرئيس هو الاحتياط الضخم لهذا النوع من النفوط، الذي يرفع احتياط فنزويلا إلى المستويات الأعلى عالمياً.