,

خلافا لما يبدو .. التضخم لم يصبح شيئا من الماضي


يتعجب دارسو التاريخ الاقتصادي في كثير من الأحيان من بعض ظواهر وغرائب من العصور الماضية، مثل الإقطاع، واستخدام الحجارة العملاقة كعملة، وفقاعات الزنبق، ومعيار الذهب. ربما سيتم في المستقبل إضافة التضخم إلى قائمة الغرائب غير المفهومة التي أبعدت إلى كتب التاريخ.

يبدو هذا، على الأقل، هو الاستنتاج الذي توصل إليه كثير من المستثمرين والاقتصاديين. وبصرف النظر عن مجموعة متنافرة من المتشائمين العنيدين – الذين توقعوا بصوت عال وبشكل خاطئ اندلاع التضخم منذ بداية الأزمة المالية – الشعور في الأسواق هو أن التضخم يعتبر خطرا ليس له شأن ـ ليس اليوم فقط، بل في المستقبل أيضا.

يقول مايكل آرون، كبير الاستراتيجيين في “ستيت ستريت جلوبال” للاستشارات: “إن الإجماع هو أن لدينا هذا التضخم الناس يعتقدون أنه لن يعاود الظهور، وحتى إذا عاد فإننا نعرف كيفية التعامل معه. هذا يجعلني عصبيا بعض الشيء”.

إذا كانت هناك أي مخاوف تضخمية طفيفة فقد عانت تجدد الانزلاق في أسعار السلع الأساسية خلال هذا الصيف، وأخيرا قرار الصين السماح للرنمينبي بالانخفاض، الذي أثار تشنجات في الأسواق العالمية. حتى أن زيمبابوي تعاني الانكماش.

دومينيك روسي، كبير مسؤولي استثمار الأسهم في “فديليتي ووردوايد”، جادل في “فاينانشيال تايمز” الأسبوع الماضي بأن أزمة الأسواق الناشئة التي أخذت تطل برأسها هي تماما “موجة انكماشية ثالثة” تنتشر في أنحاء الاقتصاد العالمي خلال أقل من عقد من الزمان ـ بعد الأزمة المالية وأزمة منطقة اليورو 2007-2012.

ما يؤكد ذلك أن المقاييس المتراجعة لتوقعات المستثمرين حول التضخم انخفضت بشكل حاد في الأسابيع الأخيرة. ما يسمى معدلات “التعادل” – التي تقيس توقعات التضخم بمقارنة السندات الحكومية التقليدية والمحمية من التضخم – في بعض الحالات هوت إلى مستوى شوهد آخر مرة في ذروة الأزمة المالية.

في ألمانيا، انخفضت نقطة التعادل للسندات لأجل عامين مرة أخرى إلى المنطقة السلبية، وهبط متوسط معدل التعادل لمدة عامين في الولايات المتحدة إلى مستوى قريب من الصفر. ومعدلات التعادل للسندات لأجل عشرة أعوام في للولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا غرقت إلى أدنى مستوى لها؛ 1.5 في المائة، 2.38 في المائة، و0.9 في المائة، على التوالي في أواخر آب (أغسطس).

إمكانية التداول بالسندات المرتبطة بالتضخم تعتبر أمر سيئا، لكن كان هناك أيضا تراجع في المقاييس طويلة الأجل التي تتبع أسعار النفط بشكل أقل مثل “سعر الفائدة الحالي على السندات لأجل خمس سنوات، وسعر الفائدة باحتساب التضخم بعد خمس سنوات” – الذي هو في جوهره المتوسط الذي تنطوي عليه أسواق المشتقات بخصوص معدل التضخم لأجل خمس سنوات ـ الذي يبدأ بعد خمس سنوات.

هذه النظرة القاتمة تعتبر أمرا مفهوما. صحة الاقتصاد العالمي تعتبر ضعيفة، والطاقة الفائضة التي تراكمت في العقد الأول من سنوات الازدهار لا تزال ضخمة، ومن المتوقع لأسعار السلع الأساسية أن تبقى في حالة ركود، ويمكن للاقتصاد الصيني العملاق، في سيناريو متطرف، أن يدفع العالم نحو ركود آخر.

وبحسب جيمس بولسن، من بنك ويلز فارغو، ليست التطورات الأخيرة وحدها هي التي عززت توقعات التضخم الواهن، وهو ما يسلط الضوء على الاتجاه طويل الأمد الممتد لعدة عقود من ضغوط الأسعار المنخفضة. كان متوسط الزيادة السنوية في مؤشر الأسعار الاستهلاكية في الولايات المتحدة 7.1 في المائة في السبعينيات، و5.6 في المائة في الثمانينيات، و3 في المائة في التسعينيات، و2.6 في المائة في العقد الأول من القرن الحالي، وفقط 1.8 في المائة على مدى السنوات الخمس الماضية.

ويكتب بولسن في مذكرة: “ثلاثة عقود من التضخم المزمن أنشأت قناعة قوية بأن التضخم قد مات. نجد دليلا على قوة هذا الاعتقاد على نطاق واسع من قبل الاحتياطي الفيدرالي الذي لا يزال يناقش ما إذا كان سيرفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل من الصفر”.

مع ذلك، بعض المستثمرين والمحللين يجادلون بأن خطر التضخم – وإن كان متواضعا – إلا أن الأسواق لا تدرك أهميته الحقيقية، خصوصا بعد التراجع على المدى الطويل. بيتر هوبر، كبير الاقتصاديين في دويتشه بنك، يقول إن بعض مشاعر الخوف الحالية بشأن الاقتصاد العالمي مبالغ فيها. ويتوقع مع استمرار توسع الاقتصاد الأمريكي بشكل جيد وإن كان يتم بوتيرة مملة، أن تنخفض البطالة إلى أقل من 5 في المائة هذا العام، ويبدأ التضخم في الانتعاش مرة أخرى، وفي نهاية المطاف يمتد إلى الاقتصاد العالمي.

أي تهاون قد يكون خطرا نظرا إلى أنه حتى التنامي المتواضع في ضغوط الأسعار العالمية سيكون له تأثيرا زلزالي في الأسواق. شراء السندات لأجل عشر سنوات مع دفع فائدة سنوية ثابتة 2 في المائة قد يكون منطقيا إذا كان التضخم سيبقى ساكنا بالقرب من الصفر خلال مدة بقائه هناك، لكن سيكون من المؤلم إذا بدأت الأسعار في الدفع للأعلى، وأخذت في تقليص القيمة الحقيقية لمدفوعاتها.

كان هناك ارتفاع طفيف في معدلات التعادل العالمية منذ الهبوط الكبير للسوق في آب (أغسطس)، ما يشير إلى أن بعض المستثمرين يعتقدون أن البيع المكثف للسندات المحمية من التضخم كان حادا جدا. يقول بوريس رجافنسكي، المختص الاستراتيجي في UBS، إنه شهد خلال فصل الصيف بعض الاهتمام الحذر، لكن المتنامي، بسندات الخزانة الأمريكية المحمية من التضخم.

جيرمي غرانثام، من GMO يقول: “بعض الناس يجدون صعوبة في تخيل أن الوضع الراهن لن يتغير – على الإطلاق. من المستحيل أن يتخيلوا أنه يمكن أن يتغير بسرعة. لكن التاريخ يظهر أن ذلك ممكن في بعض الأحيان. لا بد أن يكون الإنسان بطلا حتى يستطيع أن يعتقد أن التضخم لن يعود أبدا إلى 4 في المائة”.