,

كشف حساب الثمن الباهظ لاحتكار أردوغان السلطة


بعد أن جرّد الناخبون حزبه من أغلبيته في حزيران (يونيو) الماضي، تراجع الرئيس رجب طيب أردوغان، المعروف بإلقاء المواعظ على الأتراك، وراء ستار من الصمت غير عادي إلى درجة أن المُهرّجين المحليين، وضعوا ساعة توقيت على الإنترنت لمعرفة الفترة التي سيبقى فيها صامتاً. أخيراً، اتضح أنها لن تكون فترة طويلة.

قبل الانتخابات، كان قد حثّ الناخبين على إعطاء حزب العدالة والتنمية أغلبية عظمى من شأنها السماح له بأن يستبدل الحكومة البرلمانية برئاسة تنفيذية.

من الواضح أنهم غير مقتنعين بالحجة التي تدعو إلى حُكم الرجل الواحد، حيث لم يلتزموا بما كان يقوله. بعض الأتراك العلمانيين صوّتوا لحزب الشعب الديموقراطي المؤيد للأكراد بقيادة صلاح الدين دمرطاش، وبالتالي تم نسف خطط الرئيس أردوغان. بيد أنه عاد من جديد ليخبرهم، بأنهم في الواقع أعطوا إجابة خاطئة، وسيكون عليهم التصويت مرة أخرى.

في حين إن استطلاعات الرأي لا تُظهر ما يُشير إلى أن الناخبين يريدون عكس النتيجة في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، إلا أن استجابة أردوغان لهذا الأمر تُخاطر بجعل البلاد غير قابلة للحُكم. تركيا تُظهر علامات مُثيرة للقلق من السقوط في الفوضى.

القتال بين قوات الأمن التركية وحزب العمال الكردستاني تجدّد بعد أكثر من عامين من وقف إطلاق النار، الأمر الذي يمتحن تماسك تركيا ويُحيي ذكريات تمرد حزب العمال الكردستاني، الذي احتدم لمدة 30 عاماً وأسفر عن مقتل 40 ألف شخص.

استئناف النزاع الكردي يأتي في الوقت الذي تُصبح فيه تركيا مُستقطبة بسبب طموحات أردوغان، وركود اقتصادها وانخفاض عملتها التي باتت عُرضة للصدمات الخارجية، كما أن المنطقة المُحيطة بها مُشتعلة.

ليس فقط لأن مُتطرّفي داعش يضغطون على الحدود الجنوبية لتركيا، بل لأنهم أيضاً بدأوا شن الهجمات داخلها.

يقول محللون “إن هذا الحليف لحلف الناتو والعضو المُرشح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، الذي من المُقرر أن يستضيف قمة مجموعة العشرين للاقتصادات الرائدة في جنوب تركيا في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، هو في خطر أن يُصبح رهينة طموح رجل واحد”.

يقول هاكان ألتيناي، الرئيس السابق لمؤسسة المجتمع المفتوح في تركيا وهو الآن في معهد بروكينجز: “في بحثه عن الأغلبية، قد يكون أردوغان يفكك عرى طبقات هذه البلاد”.

الدفع نحو السلطة التنفيذية

في الخطابات والمقابلات، أردوغان – الذي تولى منصب رئيس الوزراء من عام 2003 حتى عام 2014، وهو العام الذي انتخب فيه رئيساً – يُعطي الانطباع بأن السلطة قد نزحت بالفعل إلى رئاسته، وأن الناخبين والقوانين ببساطة يجب عليهم اللحاق به.

قال أردوغان في آب (أغسطس) الماضي “إن هناك رئيسا مع سلطة فعلية في البلاد، وليس سلطة رمزية”. هذا الشهر قال في المقابلات التلفزيونية إنه “لو أن الحزب كان قد تمكّن من تأمين 400 نائب (من أصل 550) أو عدد يستطيع تغيير الدستور، فإن الوضع اليوم كان سيكون مختلفاً جداً”.

يؤكّد أنصار الرئيس أنه مع برلمان مُعلّق وفشل حزب العدالة والتنمية في الوصول إلى مرحلة التحالف مع حزب الشعب الجمهوري، وهو مجموعة المُعارضة العلمانية الرئيسية، لم يكُن لديه أي خيار سوى الدعوة إلى انتخابات جديدة.

غير أن الروايات من كلا الجانبين لمحادثات الائتلاف تُشير إلى أنه لم تكن لديهم أي فرصة حقيقية للائتلاف. لقد طغى عليها تصميم الرئيس للتفوّق على مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية العلمانية التي يرفضها جماعة أردوغان باعتبارها مجرد فترة فاصلة، تفصّل “تركيا الجديدة” الخاصة به، بعيداً عن ماضيها العثماني المجيد.

الرئيس، الذي تم تحدّيه في العامين الماضيين من قِبل احتجاجات على نطاق واسع بسبب استبداده وسياساته التدخلية، وبسبب تحقيقات الفساد التي وصلت إلى أعماق دائرته الداخلية، يحتاج إلى البقاء في السلطة بإحكام أو أن يُخاطر بمواجهة المحاكم.

يقول مسؤول سابق في أنقرة “بالنسبة إليه هذا أمر مصيري. لا تزال هناك مُساءلة في هذا البلد، وهو يعرف ذلك”.

يقول نقّاد الرئيس “إنه أطلق حربا يريدها ضد حزب العمال الكردستاني، حيث قام بتمزيق مبادرته لإنهاء الصراع في تركيا مع الأقلية الكردية فيها من خلال منحها مجالا ثقافيا وحُكما ذاتيا أكبر. هذا، كما يدّعون، يتم في محاولة لجذب الناخبين القوميين اليمينيين، وفي نفس الوقت أيضاً محاولة تقليص نسبة المُشاركة في المعاقل الكردية في جنوب شرق البلاد”.

أردوغان يُدرك أن حزب العدالة والتنمية حُرم من أغلبيته بسبب التقدّم الانتخابي لحزب الشعب الديموقراطي المؤيد للأكراد. أعضاء البرلمان الثمانون التابعون لحزب الشعب قد يعودون في معظمهم إلى حزب العدالة والتنمية، إذا نجح الرئيس بتصويرهم كأنهم ذئاب انفصاليون في ثياب الحملان – ودفعهم إلى تحقيق أقل من الحد الأدنى البالغ 10 في المائة للدخول إلى البرلمان بحسب “فاينانشيال تايمز”.

عواقب كوباني

بدأت الاضطرابات في فصل الخريف الماضي عندما فرضت جماعة داعش حصاراً على بلدة كوباني الكردية الواقعة تماماً عبر الحدود في سوريا، على مرأى من الدبابات التركية. وأعلن أردوغان أن كوباني ستسقط قريباً، واصفاً المقاومة الكردية بأنها ليست أفضل من الجهاديين الذين تعهدوا بقتلهم. كوباني نجت، لكن ليس قبل اندلاع أعمال الشغب العنيفة في جميع أنحاء جنوب شرق تركيا.

بمساعدة الغارات الجوية الأمريكية، واصلت الميليشيات الكردية السورية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي عملياتها واستولت على بلدة تل أبيض، من خلال إزالة جماعة داعش من ذلك الجزء من الحدود وقطع خطوط إمدادها خارج تركيا.

حتى هذا العام، منحت تركيا مرورا حرا للمتطوعين الجهاديين الذين في طريقهم لمحاربة نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، ما سمح لجماعة داعش وآخرين بإنشاء خلايا نائمة داخل البلاد.

663b78ef3555a20fa0b1d09d0c5f1b83_w570_h650

يقول مختص أمن إقليمي في أنقرة “إن جماعة داعش تملك القدرة داخل تركيا”.

في تموز (يوليو)، فجرت جماعة داعش مركزا ثقافيا كرديا في سروج بالقرب من الحدود السورية، ما أسفر عن مقتل 33 شخصا من النشطاء الاشتراكيين الشباب الذين كانوا على وشك العبور للمساعدة في إعادة بناء كوباني.

حزب العمال الكردستاني، الذي يتّهم الحكومة بالتواطؤ، قتل اثنين من رجال الشرطة الأتراك ردّاً على ذلك. كما نفّذت أنقرة ثلاث غارات جوية على مواقع جماعة داعش في شمال سورية، لكنها أطلقت مئات من عمليات القصف ضد حزب العمال الكردستاني في معاقلهم الجبلية في شمال العراق.

أعرب أردوغان عن قلقه من احتمال قيام حزب الاتحاد الديموقراطي، وهو منظمة شقيقة لحزب العمال الكردستاني، بإنشاء كيان حُكم ذاتي آخر على حدود تركيا، جنباً إلى جنب مع حكومة إقليم كردستان شبه المُستقلة في شمال العراق.

مع الغطاء الجوي الأمريكي، استولى الأكراد على ثُلثي أراضي الحدود السورية التي أسفل تركيا؛ القوات الجوية التركية تستهدف جماعة داعش في شمال غرب سوريا، لكن ليس إلى الشرق حيث يقف في وجه داعش حزب الاتحاد الديموقراطي في نهر الفرات.

يقول أحد المسؤولين في الحكومة “إن هذا على وشك أن يتغيّر”، الآن بعد أن اشتركت تركيا بالكامل مع التحالف بقيادة الولايات المتحدة ضد جماعة داعش وفتحت قواعدها الجوية الجنوبية لطائرت التحالف.

“في غضون ثلاثة أو أربعة أشهر سنرى نتائج حقيقية. نحن نهدف إلى تنظيف الحدود التركية من “داعش”، لخلق منطقة خالية من “داعش”. ويُضيف أن هذا “سيكون بطول 98 كيلومترا وعمق يبلغ 45 كيلومترا”. هذه المنطقة ستقتصر فقط على شمال غرب سورية، ما يُعطي الانطباع أن أنقرة تعتقد أن جماعة داعش لا تزال مفيدة ضد الأكراد الموجودين في أقصى الشرق.

نتيجة لذلك النهج، هذا يُمكن أن يضع تركيا على خلاف مع الولايات المتحدة وحلفائها في حلف الناتو، الذين يرون ميليشيات حزب الاتحاد الديموقراطي والبشمركة الكردية العراقية، على أنها قوى برّية موثوق بها ضد “داعش”، حتى إن البعض يرى الحركة الكردية – حيث النساء المُقاتلات استحوذن على الخيال الشعبي – كأنها قوة علمانية ناشئة في منطقة غارقة بالتطرّف الديني والطائفية الوحشية.

يقول سفير حلف الناتو “إن أنقرة تتصرّف بدافع من مزيج من المخاوف الأمنية القومية الحقيقية، مع كثير من جنون الشك والاضطهاد. حيث يعتقدون أن الأمريكيين وحدهم هم القادرون على وقف مزيد من التقدّم (الكردي)، لذلك سنمنحهم بعض ما يريدونه”.

ويقول المختص الأمني في أنقرة “إن مشكلة أردوغان ليست جماعة داعش أو حزب العمال الكردستاني. بل هي أن خطة مسيرته المهنية انهارت في انتخابات حزيران (يونيو) الماضي”.

الاستيلاء على المؤسسات

منذ صعوده إلى الرئاسة في آب (أغسطس) العام الماضي، استمر أردوغان في توسيع سلطته على حساب سيادة القانون والحريات الأساسية للتعبير والتجمّع. الرئيس يُصدر قرارات حول السب والقذف مثل قصاصات الورق الملونة. يقول أحد الصحافيين الذي طُرد بسبب تغريدة غير متعاونة، “إن موقع تويتر يُعتبر كمُعادل لرصاصة تخترق الدروع”.

كما أن هناك أيضاً استجابة سلبية من مؤسسات مثل المحكمة الدستورية، التي ألغت محاولات الرئيس الدورية لحظر وسائل الإعلام الاجتماعية، لكن حزب العدالة والتنمية اتّخذ موقفاً هجومياً من خلال حشد الجيش الرقمي الخاص به، الذي يتقدّمه المُتصيّدون الذين يقومون بالتهديد عبر الإنترنت.مع الحشود التي يُحرّضها حزب العدالة والتنمية لمهاجمة مكاتب حزب الشعب الديموقراطي المؤيد للأكراد وعمليات وسائل الإعلام المُستقلّة، وتدفّقات كراهية الأجانب اليومية ضد المؤامرة الدولية المُفترض أنها موجودة لتنال من أردوغان، فإن جيشه الذي قلَّم أظافره في السابق، يتّجه مرة أخرى إلى دائرة السلطة.

قادة الجيش، الذين نفد صبرهم من القنابل التي زرعها حزب العمال الكردستاني على جانب الطريق، التي قتلت عشرات الجنود ورجال الشرطة في الأسابيع الأخيرة، تسلموا سيطرة فعّلية على عشرات مقاطعات الجنوب الشرقي.

يقول أحد المحللين البارزين “بسبب كون أردوغان ثملا من السلطة، فقد فقدنا الفرصة لجعل هذه البلاد ديمقراطية في ظل الحُكم المدني”.

الأمر لا يتعلّق فقط بالموقف المُتسامح تجاه عبور الجهاديين الذين دمّروا البلاد، فتطهير تركيا من الجنرالات الذي أطلقه أردوغان في عام 2008 أضعف الاستخبارات العسكرية، في حين إن مسؤولي مخابرات الشرطة ومسؤولي النيابة العامة تم تجريدهم من السلطة، في أعقاب تحقيقات الفساد الموضوعة على الرف الآن ضد حزب العدالة والتنمية.

وكالة الاستخبارات الوطنية، التي تمرر تقاريرها إلى الصحافة التركية قد ذكرت تفاصيل توّرط الحزب في توريد شحنات أسلحة إلى المُتمرّدين السوريين، التي تم تكوينها لمحاربة حزب العمال الكردستاني، لكن ليس بالضرورة لمحاربة “داعش”.

يقول أحد المحللين والمؤيد السابق لحزب العدالة والتنمية “أنا أعتقد أنه حتى الآونة الأخيرة، كان هناك شيء يُشبه العيش ودع الآخرين يعيشوا بين تركيا وداعش”.

الحزب الحاكم، أيضاً، الذي حتى الآن يُعتبر حركة جماهرية حملت الجميع معها، هو في وضع خطير. لقد دعمه الرئيس بشركاء موثوق بهم، بما في ذلك زوج ابنته، بعد الكونجرس الذي تم تدبيره بعنايه هذا الشهر. بعد أعوام طويلة متعبة في السلطة، لم يعُد لدى حزب العدالة والتنمية قصص ليرويها.

يقول سنان أولجين، رئيس الوكالة الاستشارية EDAM، الليبرالية في إسطنبول “هناك أيديولوجية إسلامية تعمل، لكن قبل كل شيء هناك شهوة للسلطة وللهيبة والمكانة وللنفوذ”.

يقول جنكيز كاندار، المُعلّق المُخضرم “إن أردوغان مثل حزبه، يتمتع بالبديهية والتكتيكية، ولا يزال ذكيا جداً في معرفة الشارع، لكنه يفتقر تماماً إلى الرؤية أو الحنكة السياسية”. علاوة على ذلك، يقول “إن أي انهيار للتيار الإسلامي المعتدل السائد يُمكن أن يفسح المجال للبدائل السلفية المُتطرّفة”.

هذا سؤال للمستقبل. السؤال الذي يواجه تركيا الآن هو ما إذا كانت قابلة للحُكم. إذا تم المضي قُدماً بالانتخابات، يبدو من المُقرر أن الناخبين سيكرّرون الحُكم الذي منحوه البلاد في حزيران (يونيو) الماضي – ما لم تدعُ حالة الحصار وضغط حزب العدالة والتنمية إلى التشكيك في صحة التصويت الكردي.

أي من الاحتمالين يُمكن أن يمنح أردوغان ذريعة لإلغاء الانتخابات. يقول قدري جورسيل، كاتب المقالات الرائد الذي طردته صحيفته في تموز (يوليو) الماضي، بإكراه من الحكومة “إن ثمن ذلك قد يكون أعلى بكثير. إلغاء الانتخابات سيخلق خسارة فادحة للشرعية، ويُطلق العنان لجميع الشياطين”.