,

كيف يعيش السكان خلف أسوار أعظم المدن المحصنة في العالم؟


ليندسي غالاوي- بي بي سي.. ما هو شعورك عندما ترى بناءً أثرياً عالياً يحيط بفناء دارك الخلفي؟ توجهنا بهذا السؤال إلى سكان خمس مدن محصنة في العالم.

كانت الجدران الحجرية الضخمة في يومٍ من الأيام هي آخر الخطوط الدفاعية للمدن الأثرية ـ حصون منيعة شُيدت لتحمي سكانها من الأعداء الخارجيين. وعبر السنين، انهارت معظم هذه المدن المحصنة، أما المتبقي منها فلا يزال يحمي نمط حياة خاص بمن يعيش خلف أسوارها، مما يمنح سكانها فرصة يومية كي يروا عظمة التاريخ. وتؤثر تلك الأسوار على نواحي معيشية عديدة، بدءا من الشعور بالأمان وحتى حركة المرور والسياحة وغيرها.

تحدثنا مع مقيمين في بعضٍ من أشهر المدن المحصنة في العالم والتي لم يحدث بها تغيير يُذكر – وجميع هذه المدن تدخل ضمن قائمة مواقع التراث العالمي لليونسكو. كان الغرض من ذلك أن نعرف كيف يعيش هؤلاء السكان وهم يرون بناءً عالياً أثرياً يحيط بالفناء الخلفي لمساكنهم.

دوبروفنيك، كرواتيا


1

تتميز هذه المدينة المحبوبة بموقعها الساحر على البحر الأبيض المتوسط ومطارها القريب. وقد ازدادت شهرتها خلال السنوات الأخيرة بعدما ظهرت بتصميم خيالي باسم “كينغز لاندينغ”، عاصمة “الممالك السبع”، في المسلسل التلفزيوني الرائج “صراع العروش”. ويعود تاريخ بناء الجدران التي تمتد لمسافة كليومترين حول “المدينة القديمة” إلى القرن السادس عشر، كما أن شوارعها المفتوحة للمشاة فقط تساعد في الحفاظ على البيئة التاريخية للمدينة.

ألهمت السينما الأمريكية السائحين للتدفق على المدينة، مما أدى إلى حدوث تغييرات في معالم “المدينة القديمة”، حسب مايا ميلوفسيتش، وهي من سكان دوبروفنيك الأصليين، والتي تقول إن كثيرين من سكان المدينة قد تركوا شققهم وقاموا بتأجيرها للزوار. ومع ذلك، يلتزم الباقون من سكانها المحليين بالإبقاء على النمط المتميز للحياة هناك. تقول ميلوفسيتش: “الأطفال الذين ترعرعوا في المدينة القديمة يُجلّون التاريخ والآثار. تُعلمهم المدينة ما يعنيه جمال وتناغم المعمار بالنسبة لمستقبل هذه المدينة وأجيالها القادمة.”

يبدو وكأن الجدران تشجع أيضاً على الروح الجماعية، إذ تقول ميلوفسيتش: “تعود عوائل شابة مع أطفالها إلى هنا لأنها تشعر بأمان وودّ أكثر للعيش وتربية الصغار وحمايتهم من أي خطر محدق. (عندما كبرنا هنا)، كانت المدينة بأكملها تبدو مثل ملعب كبير للأطفال.”

ولمن يتطلع للعيش خارج “المدينة القديمة” الصغيرة، فإن حي “بلوتشيه” الراقي يقع بالجوار تماماً، إلى الشرق باتجاه البحر. أما شبه جزيرة “لاباد”، التي تبعد ثلاثة كليومترات إلى الشمال، فتشتهر بمتنزهات المشاة والمناظر الخلابة المطلة على الخليج.

القدس


2

رغم أن الجدران التي تحيط الآن بـ”البلدة القديمة” قد بُنيت في القرن السادس عشر، إلا أن الأحجار تحيط بهذا الموقع التاريخي منذ العصور التوراتية. تكتب ليز كوهين عن تجربتها كمغتربة على مدونة “ليزرائيل ابديت” على الإنترنت قائلة: “ينتابك شعور بأنها مدينة أثرية ـ حتى خارج أسوارهاـ من خلال أحجارها القديمة في البنايات، وأسماء شوارعها، والمقيمين فيها لستة أو سبعة أو ثمانية أجيال (سكان القدس الأصليين).”

يعتقد البعض أن للقدس طابعاً سياسياً أو عنيفاُ، إلا أن العيش داخل المدينة سيغير وجهة نظرك هذه. تقول كوهين: “عندما تعيش هنا، ينتابك شعور بأن كل شيء سيكون على ما يُرام. إننا (السكان الذين يعيشون هنا) نختلف إلى حد كبير ـ يمكنك أن تكتشف ذلك بكل سهولة من الملابس ـ ولكن في أغلب الأحيان يساعد الناس بعضهم البعض في الحافلات والأسواق والشوارع.”

في جميع أنحاء القدس ـ سواء داخل “البلدة القديمة” أم خارج أسوارها ـ تصنف الأحياء حسب الجنسية أو الدين، بالرغم من أن بعض المناطق بها اختلاط أكثر من غيرها. غالباً ما تتوجه أعداد كبيرة من الناطقين باللغتين الإنجليزية والفرنسية صوب “المستعمرة الألمانية” العصرية أو حي كاتامون الهاديء أو حي ريتشافيا الراقي، وجميعها يقع على بعد بضعة كيلومترات إلى الغرب من “البلدة القديمة”. أما حي “ناشلوت”، الواقع على بعد 4 كيلومترات شمال غرب “البلدة القديمة”، فيمتاز بشعبية كبيرة لدى الطلبة على وجه التحديد بسبب طابعه التاريخي وشارع سوقه الشعبية الصاخب، “سوق محني يهودا”. يعيش الجميع تقريباً في شقق، فالدور هنا نادرة جداً.

آبلة، إسبانيا


3

بُنيت “أسوار آبلة” في القرن الثاني عشر لتحمي سكانها من الصراعات التي كانت دائرة بين مملكتي “قشتالة” و “ليون” المتحاربتين. وبعد ألف عام من بنائها، لا تزال الأسوار تحيط بالكامل بالمدينة التي ظلت على سابق عهدها، حيث تنتشر فيها كنائس من الطراز الروماني والقوطي. تقول كارولينا آريس، وهي من السكان الأصليين لمدينة آبلة: “ينتابك شعور وكأنك تعيش ضمن حكاية تُروى في العصور الوسطى. إنه شيء ساحر.”

تبعث هذه المدينة الهادئة على الود، وتدعو إلى الاسترخاء والطمأنينة، علاوة على أن أغلب سكانها من كبار السن. وبالرغم من أن هناك الكثير من النشاطات الثقافية والأدبية التي تحتفل بتاريخ البلدة الصغيرة، فإن النشاطات تختفي أثناء الليل.

يتعين على الوافدين الذين يبحثون عن نمط حياة أسرع قليلاً أن يتطلعوا إلى العيش في الأحياء الواقعة جنوب أسوار البلدة. يقول خورخيه غارسيا، وهو أيضاً من سكان آبلة القدامى: “يميل الشباب إلى الانتقال للعيش جنوب البلدة لأنها تتوسع بذلك الاتجاه، وهناك وسائل خدمات وترفيه أكثر من الموجودة في مركزها”. ويمنحك الانتقال إلى جنوب البلدة مساحة أكبر للعيش، إذ أن معظم الذين يعيشون ضمن أسوار البلدة يعيشون في شقق صغيرة، بينما تتوفر خيارات عيش أكثر، منها الدور القائمة بذاتها، خارج تلك الأسوار.

كارتاخينا، كولومبيا


4

بعد مئات السنين بنت إسبانيا سوراً آخر بمدينة كارتاخينا المطلة على البحر الكاريبي، التي كانت تعد نقطة إرتكاز أمامية مهمة للأسبان. هاجم الإنجليز والفرنسيون المدينة، وأنفق الأسبان ملايين الريالات ليوفروا لها الحماية في القرن الثامن عشر، زمن انتشار القرصنة. لقد أنفقوا كل تلك النقود لتمويل بناء أسوار وقلاع المدينة التي لا زالت قائمة حتى اليوم.

تقول سيلفيا تشيريسي، مصممة أزياء وصاحبة “فندق تشيريسي”، وهو عبارة عن قصر من العهد الاستعماري جرى تحديثه ويقع ضمن أسوار المدينة، إن العيش في المدينة القديمة يجعلك تشعر وكأنك تعيش “ضمن ديكور واقعي لأحد الأفلام السينمائية”. توفر هذه القصور، إضافة إلى الساحات النابضة بالحركة ومقاهيها ومطاعمها الخاصة، نمط حياة مليء بالحيوية لمن يعيش هنا.

وتضيف تشيريسي: “تجسد المدينة القديمة الروح المتمثلة في البهجة والود والنشاط والإثارة.”
على الوافدين الذين يتطلعون لمعايشة هذا الطابع الأصيل أن يعيشوا بالقرب من إحدى الساحات العديدة التي يقيم فيها بائعو الفواكه أكشاكهم ويلتقي فيها السكان المحليون لتبادل الأحاديث. الأمثلة على هذه الساحات هي “بلازا دي لا أدوانا”، وهي الأقدم في المدينة، وأيضاً “بلازا دي لوس كوتشيز”، المعروفة بشرفات منازلها ذات الأقواس من العهد الاستعماري.

وقد جرى تحويل العديد من قصور العهد الاستعماري، التي تقع ضمن المدينة القديمة، إلى شقق مريحة، أما الشقق العصرية في العمارات العالية فتجدها خارج أسوار المدينة.

قرقشونة، فرنسا


5

إذا ما عشت ضمن جدران “لا سيتي” الممتدة لثلاثة كيلومترات – قلعة محصنة تعود للقرون الوسطى تقع ضمن مدينة قرقشونة – فلن يسعك إلا أن تشعر وكأنك قد أصبحت شخصا مولعا بالتاريخ.

تقول جاكي بولتر، أسترالية انتقلت للعيش في “لا سيتي” عام 2013 وتدير فندق’لا تشابي بيل‘: “يجعلك الأمر تتأمل شكل الحياة بالنسبة لأولئك الذين عاشوا في المدينة قبل مئات السنين، ومهارات الحرفيين المهرة الذين عملوا على تشييد القصور الريفية الضخمة والمنازل والأسوار في ’لا سيتي‘ والتي صمدت أمام أهوال الزمن.”

لا يعيش ضمن حدود “لا سيتي” سوى 50 عائلة من المقيمين الدائميين فيها ـ وسيبدو الرقم أصغر بكثير عندما يُقارن بعدد زوار قلعتها البالغ أربعة ملايين سنوياً. تقول بولتر: “لا يعلم أكثر السواح أن هناك أناساً يعيشون هنا، ويعتقدون أنها مجرد مدينة لاجتذاب السائحين.”

وخلال السنوات الأخيرة، أصبح من الصعب العيش ضمن الأسوار العتيقة، بعدما أغلق البنك ومكتب البريد أبوابهما وأصبح وصول المركبات إليها مستحيلاً بسبب حشود الزوار في الصيف (يقتصر مرور المركبات على ساكنيها وشركات توزيع البضائع فقط). ومع ذلك، يساند الذين يعيشون داخل المدينة بعضهم البعض ويشعرون بالراحة للهدوء الشتوي.

ويفضل الوافدون الاستقرار في “باستيد سان لوي”، وهي المنطقة “الأحدث” من قرقشونة والتي تبعد مسافة كليومتر ونصف إلى الغرب من البلدة التي تعود للقرون الوسطى. وبالرغم من قلة عدد السائحين، تضم منطقة “باستيد سان لوي” عددا من المتاحف المثيرة للاهتمام والمقاهي، علاوة على أن العيش على جانبي “قناة ميدي”، التي تمر عبر قرقشونة، يعد أيضاً خيارا رائعا لمن يود أن يكون قريباً من مجرى الماء.