,

لماذا يتمسك العرب بأسهمهم الألمانية رغم الخسارة؟


فضيحة العام التي فجرتها مجموعة فولكس فاغن لصناعة السيارات من خلال تركيب برنامج معلوماتي يزوّر نتائج اختبارات مكافحة التلوث جاءت صادمة للجميع. فالشركة الألمانية تعد مفخرة للصناعة الألمانية بشكل عام ولصناعة السيارات بشكل خاص. التأثير السلبي لعملية التزوير هذه كلف حاملي أسهم فولكس فاغن خلال يومي 21 و 22 سبتمبر/ أيلول 2015 لوحدهما حوالي 25 مليار يورو، منها حوالي 4,6 مليار يورو خسرتها هيئة الاستثمار القطرية التي تُعد ثالث أكبر المالكين لأسهم الشركة. وبدورها خسرت البورصات الأوروبية عشرات المليارات من قيمة الأسهم المدرجة على لوائحها بفعل الأزمة. يضاف إلى ذلك تعويضات قد تصل إلى 18 مليار يورو يتوجب على الشركة دفعها في الولايات المتحدة حيث تم الكشف عن التزوير. وهناك تكاليف أخرى بالمليارات ستأتي نتيجة تعويض الزبائن وسحب ملايين السيارات المزودة ببرامج التزوير من السوق. غير أن الأضرار لا تقتصر على الخسائر المباشرة بل تتجاوزها إلى خسائر ناتجة عن الإساءة لسمعة الصناعة الألمانية وضرب الثقة بها، إضافة لأَضرار صحية وبيئية من الصعب تقدير حجمها في الوقت الحالي.

سمات الاستثمار العربي في الشركات الألمانية

السؤال المطروح هنا هو: ما هو تأثير تداعيات الفضيحة على الاستثمارات العربية في فولكس فاغن والشركات الألمانية الأخرى “دايملر بنز” و “هوختيف”؟ في جواب هذا السؤال يرى عبد العزيز المخلافي الأمين العام لغرفة التجارة العربية الألمانية في حديث إلى DW أن المستثمرين العرب سيحتفظون بأسهمهم فيها رغم الخسائر، لأن “بيعها في الوقت الحالي غير مناسب بسبب الخسائر التي لحقت بها”. كما أن الاستثمارات العربية في الشركات الألمانية هي في غالبيتها استثمارات حكومية طويلة الأجل كما هو عليه الحال بالنسبة للاستثمارات الكويتية التي احتفلت مؤخرا بمرور أربعين سنة على استثماراتها في شركة دايملر المنتجة لسيارات مرسيدس الشهيرة.

وفي سياق متصل يرى المخلافي بأن تراجع أسهم فولكس فاغن حاليا يشكل “فرصة لشراء أسهمها التي ستعود إلى التعافي، لأن الشركة قادرة على تجاوز تبعات الفضيحة كما تجاوزت أزمات سابقة”. ويستثمر العرب بشكل هام في عدة شركات ألمانية، فعلى سبيل المثال اشترت دولة قطر نحو 17 بالمائة من أسهم مجموعة فولكس فاغن و 10 بالمائة من أسهم شركة البناء العملاقة “هوختيف”. وتمتلك الكويت نحو 7 بالمائة من أسهم شركة دايملر. أما شركة طيران الاتحاد التابعة لأبو ظبي فتستحوذ على 29 بالمائة من أسهم شركة طيران “إير برلين”.

0,,18481238_401,00

هل تستطيع فولكس فاغن مواجهة تداعيات الفضيحة؟

تُعتبر مجموعة فولكسفاغن فعليا من الشركات المنتجة لسيارات عالية الجودة تحمل اسم المجموعة وأسماء شركات أخرى تابعة لها مثل آودي وبورشه وسكودا، كما أنها أكبر شركة لصناعة السيارات في القارة الأوروبية بحجم أعمال زادت قيمته على 200 مليار يورو عام 2014، أي ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي لدولة قطر. وخلال العام الماضي باعت الشركة التي تشغل أكثر 600 ألف موظف في ألمانيا وخارجها أكثر من 10 ملايين سيارة في مختلف أنحاء العالم متجاوزة بذلك مبيعات شركة تويوتا التي تربعت لسنوات طويلة رأس قائمة الشركات الأكثر مبيعا للسيارات. وقد تمكنت فولكسفاغن من خلال تزايد مبيعاتها العالمية، لاسيما في أوروبا والصين من تحقيق أرباح عالية وصلت خلال العام الماضي 2014 إلى نحو 11 مليار يورو. وبفضل هذه الأرباح وأرباح السنوات الماضية المتراكمة تمكنت من دعم صندوقها الاحتياطي لمواجهة الحالات الطارئة. وعلى ضوء ذلك يتفق معظم الخبراء على أن تبعات الفضيحة لن تهدد وجود المجموعة بشكل خطير لأنها ستبقى قادرة على تحمل الأضرار ودفع التعويضات المتوقعة رغم ضخامتها. ويدعم قدراتها هذه تفوقها التقني بشهادة الشركات العالمية المتخصصة، فوفقا لمؤسستي “بوسطن للاستثمارات” و “تومسون رويترز” للمعلوماتية ، تعد فولكس فاغن في قائمة الشركات العالمية الرائدة بالإبداع والابتكار، كما أنها معروفة بإنتاج محركات ذات أنظمة دفع حديثة وذات كفاءة عالية في توفير الطاقة.

صناع القرار وعلاقتهم بصناعة السيارات

تكشف فضيحة فولكس فاغن وفضائح أخرى شبيهة بها عن كثير من الضعف والفشل في عمل مؤسسات الرقابة الحكومية الألمانية، كما تعكس النفوذ الكبير لصناعة السيارات على صنّاع القرار السياسي في ألمانيا. وحسب كريستيان هازه، الخبير في مجموعة “بنوك صناديق التوفير الألمانية” في حديثه إلى DW فإن هذا النفوذ يؤدي إلى “التغاضي عن تجاوزات وعمليات فساد وتزوير تقوم بها شركات السيارات في ألمانيا وخارجها”. ومما لا شك فيه، فإن فولكسفاغن هي ليست الشركة الوحيدة التي تقوم بعمليات التزوير لأهداف عدة منها “تخفيض النفقات وزيادة الأرباح على حساب الزبائن”، كما يرى الخبير هازه مضيفا: “مشكلة نظام شركاتنا أنه يقدم علاوات إضافية ومغرية لقيادات الشركات مقابل نجاحها في زيادة المبيعات والأرباح، أما أن يتم ذلك بطرق ملتوية فأمر لا تُمارس الرقابة والتدقيق عليه كما ينبغي”.

أخيرا يبقى أن يأخذ صناع القرار عبرة من الفضيحة ويتخذوا الإجراءات التي تمنع من تكرارها. جدير بالذكر فإن صناعة السيارات الألمانية تشغّل حوالي ثلاثة أرباع مليون موظف في ألمانيا وتشكل صادراتها 20 بالمائة من الصادرات الألمانية، كما تساهم لوحدها بنسبة 14 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل 390 مليار دولار.