,

محمد المزيني: حرب الخليج الثالثة


محمد المزيني- الحياة.. ثمة دول صغيرة لها سحرها الخاص، وتكمن قوتها بضعفها كالقش الذي يواري تحته حفرة عميقة أو الخطاف المعلق بآخر صنارة صيد قد تعلق به حتى الحيتان الكبيرة. الكويت من هذا الصنف من الدول. ستظل محط أطماع الدول التي استشعرت قوتها متأخرة، وترى أن الدول المجاورة هي الأضحية المستحقة على محرقة الآلهة الجدد.

هنا اختبار عصيب تحاول هذه الدول أن تحرر إجاباتها عن أسئلتها الوجودية المتضخمة على ورقة الدول الصغيرة؛ إمعاناً منها بالتمظهر السياسي المؤدلج التي لم تقوَ على حمل مبادئها المغشوشة لتسويقها داخلياً، ناهيك عن الدفع بها نحو الخارج. الإيرانيون اليوم يمارسون لعبة النظام العراقي البائد في الاستعراض والمساومة والمقامرة، لتكرر التجربة نفسها على البلد الذي دفن تحت ثراه آلاف الجنود العراقيين وقوض بسببه نظام صدام حسين برمته.

اللعبة لم تختلف. صدام لم يقدم على مغامرته تلك من منطق عقلاني إنما بوازع العظمة المستشرية في أوصال دولته المدعومة بترسانة سلاح قوي وجيش ضارب، كان يعد الأقوى في الشرق الوسط ورابع جيش على المستوى العالمي، هذا الاستقواء على الدول الصغيرة التي تنشد العيش بسلام، وتعمل على مكانتها الحقيقية لم يعد سوى تجاهل لقواعد اللعبة العالمية التي تغلب فيها المصالح الإستراتيجية على المبادئ المحتقنة كراهية للآخر. صدام حين استخدم مبادئ حزب البعث بادعاء ماكر وفج لرفع لواء الأمة العربية، باستعراض مجاني بحزمة من الوعود التي طالما داعبت أحلام العرب واحتقنت بها عقول وقلوب جيشه العظيم الذي كان مؤهلاً للوقوف ستاراً قوياً يحمي بيضة العرب والمسلمين ضد تعديات الغرب والشرق.

لو صدقت ادعاءاته، فلو فعل لحقنت دماء مئات الآلاف من الضحايا الذين تساقطوا كأشجار التهمتها نيران لاهبة، لو استشعر معنى العروبة التي كان يغرد بها كبلبل صداح بين العرب ويزأر بها كأسد هصور بين الأعداء الألدَّاء، وعلى رأسهم ما كان يسميه الكيان الصهيوني لرفع هذا الضيم الواقع على العرب، الذين صدقوا ذات يوم أنهم سيفيقون ذات صباح على احتلال الجيش العراقي لتل أبيب أو على الأقل إحراق تل أبيب بصواريخ سكود تحت أي مبرر على الأقل لو رفع الإهانة من الصفعة التي تلقاها على يد سلاح الجو الإسرائيلي يوم الاعتداء الصاروخي على مفاعله النووي، فظل خامداً في مكانه من دون حراك، فلو فعل لاستعاد كرامته المجسدة لكرامة العرب، إلا أن المفاجأة الصادمة والمرة أن الكويت كانت الأسهل والأقرب، فقد غيَّر مساره باتجاه الجنوب، متخذاً طريقه ذات ليل غادر إليها.

لماذا أحكي لكم هذه الحكاية المملة، خصوصاً بعدما عاد نجم صدام حسين يسطع كرة أخرى في سماء حالكة بلا نجوم، ويتردد بين الألسنة كتعزية للوضع الراهن الذي يبوء به عالمنا العربي.

أحكي هذه الحكاية لأن الكويت لم تكتف من ويلات المتربصين بها المتوعدين لها بالويل والثبور، فالتاريخ يعيد نفسه حكاية متشابهة جداً لحد التطابق، إيران اليوم تمثل دور الزعامة المذهبية المتوجة بإكليل فارسي تخطو الخطوات نفسها تلك المنتهية بها لا محالة إلى المقبرة ذاتها، استشعار إيران قوتها يدفعها إلى أن تلعن إسرائيل ليل نهار، كما فعل صدام، بيد أنها من أبواب خلفية تعقد اتفاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، ثم توجه ترسانتها الحربية إلى العرب بالحرب والتخويف، وتجند من أجل تحقيق وجودها الذي يشعرها بعظمتها بعض الخدم الخونة المتآمرين على دولهم؛ من أجل تحقيق الحلم الفارسي.

لماذا الكويت مرة أخرى ؟ محاولة إيران لتكرار التجربة الصدامية للنفاذ على الخليج العربي الذي يحلو للنظام الصفوي الإيراني تسميته «الخليج الفارسي»؛ إمعاناً في تثبيت الانتماء القومي الفارسي على المنطقة برمتها، قدر الكويت التي تقع في الجزء الشمالي الغربي للخليج العربي أنها البوابة الأمثل لتحقيق هذه المآرب، لذا فإن حدودها المتاخمة للعراق من الجهة الغربية والشمالية الذي أمسى تحت القبضة الإيرانية يعد الممر الأسهل المؤدي إلى عمق الجزيرة العربية، ذلك التوافق الذهني مع التفكير الصدامي هو الذي دفع الإيرانيين بكل حماستهم الصفوية لاستعجال حصاد غرسهم الخبيث من جسد الخليج بكل تكبر واستعلاء، من دون قراءة متعمقة وفاحصة لطبيعة تكوينات العالم العربي النفسية والعقلية باستثناء العراق الذي وصلوا إليه بطريقة وضع اليد، تلك التي مررت إليهم وفق أجندة خارجية لها غايات ومرامي سياسية مرحلية فرضتها طبيعة الانتقال السياسي عقب إسقاط النظام العراقي السابق.

الإيرانيون لم تسعفهم نجابتهم لفهم الطبيعة العربية فتجربتهم الاستحواذية على العراق ألهبت مطامعهم لتجاوز الحدود إلى ما هو أبعد من العراق، فبادروا بتغذية الحس الطائفي الكريه داخل المجتمعات الخليجية وتجنيد بعض المنتمين ببسالة إلى حوزاتها السياسية الممذهبة بهم، لم يتعلموا الدرس جيداً من ممارساتهم السياسية القمعية في العراق إذ تشكلت على إثرها فصائل مناوئة كتنظيم داعش وغيره، هي أشد بطشاً وسفكاً للدماء. هذا الغرور الصفوي وعنجهية الاستقواء الغبية عجلت بفضح غاياتها الدنيئة، كما انكشفت معها كل الفصائل والأذرع المنقادة لغواياتها في البحرين والسعودية ثم اليمن وأخيراً في الكويت.

نبرة التهديد الإيرانية لدولة الكويت المسالمة هي رد فعل عبيط لملالي إيران جراء القضاء على أطماعهم الخبيثة في الخليج واليمن؛ لتنحسر في مرابضها القديمة في العراق سورية ولبنان. ولو عقلوها جيداً لأدركوا أن التماسَّ مع أمن الخليج، وفي مقدمها الكويت محفوف بالمخاطر، ناهيك عن التفكير باحتلالها؛ لأنها ستضع النقطة الأخيرة على نهاية حقبة تاريخية لدولة صفوية إيرانية ممعنة بالتشبث الطائفي سيشهدها العالم بشيء من الغبطة فهو ما تتلمظ له كل دول العالم وتعمل من أجله، ملالي إيران ليسوا بأعز من صدام؛ لأن من أعطى ذا الترسانة السوفياتية الإشارة بدخول الكويت هو نفسه من سيعطي أصحاب العمائم ذوي الترسانة الروسية الإشارة نفسها بدخول الكويت، وهي المطب والحيلة المثلى للقضاء على هذا الهم الجاثم على صدر الشرق الأوسط، وسيكون حينها الجزاء من جنس العمل.