,

محمد الرميحي: أمن الخليج قبل الاتفاق النووي وبعده


محمد الرميحي- الشرق الأوسط.. على الرغم من أن الساحة في الشرق الأوسط ملتهبة مع احتدام المعارك وتطور الاشتباكات في الجو وعلى الأرض، فإن ملف أمن الخليج يبقى هو الأكثر سخونة للمستقبل والأكثر إلحاحًا للحاضر. القوة الدولية العسكرية الأكبر في الخليج منذ انسحاب بريطانيا في سبعينات القرن الماضي، هي الولايات المتحدة، وهي الآن لأسباب كثيرة تنفض يدها من المشكلات الكبيرة التي تعتقد أنها سوف تواجه في الخليج، كما تتحول تدريجيًا من حليف للطرف العربي إلى وسيط بين العرب في الخليج وإيران، أو هكذا تحضر.

مؤخرًا، تكاثرت الكتابات الأميركية الداعية إلى أهمية طرح فكرة «نظام أمني جديد في الخليج» إلى درجة أن ترعى ما سمي لقاءات «المسار الثاني» بين أطراف غير رسمية، خليجية إيرانية، لاستكشاف احتمال إقامة ذلك النظام، ولكن تلك اللقاءات حتى الآن لم تفضِ إلى شيء.

الفكرة الاستراتيجية الإيرانية التي بنى عليها النظام في طهران كل طموحاته تجاه المنطقة والخليج، هي أن تخرج الولايات المتحدة من الخليج أمنيًا، ويترك الترتيب الأمني للأطراف الإقليمية، الأمر الذي يحقق لإيران نظامًا تكون يدها هي الأعلى فيه والأكثر غلبة، وتلك فكرة ليست جديدة على التفكير الإيراني الاستراتيجي، فقد كانت في عمق توجهات نظام الشاه السابق، مع اختلاف الظروف وطرق التنفيذ.

العبء المادي والتدريبي والتسليحي الذي تقدمه الولايات المتحدة لدول الخليج العربية لم يعد هناك مبرر موضوعي لاستمرار تكاليفه من منظور الإدارة والمصالح الأميركية الحالية والمستقبلية، فالتكلفة أصبحت أكبر من العائد، هنا تدفع الولايات المتحدة بأفكار من خلال الكتابات الصادرة من مؤسسات الأبحاث لإقامة هيكلية جديدة للأمن الإقليمي تشارك فيها إيران ودول مجلس التعاون وربما بعض الدول الأخرى.

المدخل الذي تعتمد عليه هذه الرؤية أن هناك فرصة سانحة بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران أن تنحو إيران إلى خطوات بناء الثقة، وعلى دول الخليج أن تقدم لها شيئًا من التنازلات لإغرائها بالسير في هذا المسار التصالحي، إلا أن هذا الافتراض الذي يتردد في أوساط أميركية وغربية، وتشارك فيه طهران عن طريق الدفع بفكرة الحلف الجديد، وتبشر به عن طريق وسائل الإعلام، كما حدث في سلسلة مقالات السيد جواد ظريف، وزير الخارجية، منذ أشهر خلت، فيه الكثير من السذاجة ويشكل، إذا تحول إلى قناعة لدى الدبلوماسية الغربية، مخاطرة استراتيجية على دول الخليج والمصالح الغربية معًا، وتصبح مواجهة تلك المخاطر، بعد أن تتعاظم، لها تكلفة أكبر مما دُفع حتى الآن في الكثير من الصراعات في المنطقة. وليس خافيًا أن بعض دول الخليج فرادى قد ذهبت إلى ذلك المنحى فوقعت مع إيران بعض ملفات منخفضة الأولوية الثنائية، إلا أن الذهاب إلى الاتفاق مع إيران أحاديًا يقلل من فرص هندسة المتغيرات بشكل جماعي، ويفقدها بعض قوة التفاوض.

لقد قدمت الولايات المتحدة بسياساتها المتتابعة في العقدين الأخيرين قصيرة النظر، مساحة وفرصًا مواتية للتمدد الإيراني في الخاصرة العربية، حيث خلقت فراغًا ملأته إيران بتكاليف منخفضة، تم ذلك في العراق بسبب الخطط السياسية غير الحصيفة التي تبنتها، ويتم الآن في سوريا التي تأخر التعامل مع مخاطر نتائج الصراع فيها وترسل لها طهران الرجال والسلاح، وتتغاضى دول العرب أيضًا عن نفوذ طهران المسلح في لبنان! هذا في وقت كان الخلاف الغربي الإيراني على أشده. أما بعد التوقيع، فإن احتمال التنازل للنفوذ الإيراني يكبر.

دوافع إيران للتوسع في المنطقة العربية هي خلطة من الآيديولوجيا المذهبية، وتصورات للردع من أجل حماية النظام القائم (وليس الدولة)، ومصالح داخلية لها علاقة بقوى النفوذ الداخلي الإيراني المتصارع، وتراث إمبراطوري قديم يداعب الطموح القومي، وهي خلطة سامة تُصعّب من الوصول إلى أرضية مشتركة لأمن إقليمي ناجح، قائم على احترام الآخر، كما أن الاتفاق النووي لم يضع على إيران أية ضغوط لتعديل سياساتها في الإقليم بقدر ما وضع ضغوطًا لتأخير استخدام القدرات النووية عسكريًا، وهو اتفاق لا يصل إلى المعاهدة، بل في أحسن الأحوال خريطة طريق يمكن أن تختل في أي وقت! من أجل دفع دول الخليج لقبول إيران شريكًا سريعًا في أي ترتيبات أمنية إقليمية تحقق للولايات المتحدة الخروج الآمن من المنطقة، وتشجع إيران على المضي في خريطة الطريق، يجرى تضخيم فكرة «الضغوط الداخلية في دول الخليج» كتهديد أساسي وقائم للأمن الداخلي والإقليمي، فقد كُرر ذلك التخويف أكثر من مرة من خلال تصريحات السيد باراك أوباما.

وفي مقابلة شهيرة مع الصحافي توماس فريدمان، أفصح بوضوح عن ذلك «التهديد المبطن»، كما ذكره سابقًا في خطابه أمام الأمم المتحدة في عام 2014، كما أن الإدارة الأميركية لم تقدم، وربما لن تقدم، تعهدًا كاملاً واضحًا للدفاع عن دول الخليج، غير وعود عائمة لا تربطها وثائق ملزمة! الصفقة إذن هي إعطاء إيران الكثير من التنازلات على حساب مصالح دول الخليج. ولأن سوء الظن من حُسن الفطن، فلا يستبعد أن تضحي الولايات المتحدة ببعض مصالح دول الخليج إرضاء لإيران!!

لقد جربت دول الخليج التعاون مع طهران، كان ذلك في الشهور الأخيرة من حكم السيد هاشمي رفسنجاني وتعاظم التعاون في عهد الرئيس محمد خاتمي؛ أي في مرحلة نهاية الثمانينات من القرن الماضي حتى نهاية التسعينات، وقتها كانت إيران تحت حكم الاعتدال، كما كانت بحاجة للتنسيق والمواءمة مع الجيران الخليجيين في أسعار النفط التي كانت تتراجع وقتها لمواجهة العجز المتزايد، إلا أن الصراع الداخلي في إيران بين الأجنحة أوقف ذلك التعاون، بل عاد إلى مرحلة أكثر حدة في فترة الرئيس نجاد، الذي وجد ومناصروه أن التفكير الإيراني في تصدير الثورة هو الأنجح، خصوصًا بعد نتائج الانتخابات الثانية 2009، وما عرف بالثورة الخضراء الإيرانية التي قمعت بقسوة وصلافة، كما زادت أحداث «الربيع العربي» من طموح إيران في «تصدير الثورة»، ونظرت طهران إلى «بشائر الربيع الأولى» على أنها تكرار لما حدث في إيران عام 1979؛ أي الانتصار على حكم الشاه، وسرعان ما اختلف حساب الحقل عن حساب البيدر، فغاصت إيران في صراعات في الجوار اضطرت معها أن تدفع بلايين الدولارات والكثير من الجنود في مغامرة (الحصول على أربع عواصم عربية)، الأمر الذي نتج عنه ليس تخريبًا هائلاً لتلك العواصم واندلاع صراع بين مكونات شعوبها، ولكن أيضًا بتكاليف تنوء بها طهران اليوم ماليًا وبشريًا.

ليس هناك مصلحة لدول الخليج لزيادة التوترات مع إيران أو تصعيدها، فأولويات المنطقة بعيدة عن طلب الصراع مع طهران، المشكلة من وجهة النظر الخليجية بشكل عام هي ذلك الصراع الداخلي في إيران الذي يظهر المد والجزر دون الوقوف على ضفاف محددة.

طبيعي أن يرى العقلاء في الضفتين أن هذا الصراع مكلف ومحبط، إلا أن الأكثر ضرورة أن تسود فكرة الاحترام المتبادل لاستقلال وسيادة وسلامة الدول المطلة على الخليج وحقها في الحفاظ على هويتها، وعدم التدخل في شؤونها، وهي مبادئ قام عليها الكثير من المنظمات الإقليمية الناجحة، سواء في آسيا أو أوروبا. التحديات الأمنية لدول الخليج هي التحديات العابرة للحدود، وأما تضخيم «التحدي الداخلي» فيراد به التخويف، لأن هذا التحدي يعالج بطرق مختلفة وناجحة في دول الخليج، رغم الكثير من دس الأنف الإيراني! المعضلة أنه ما زال هناك الكثير من عدم الثقة الذي تفصح عنه طهران من خلال تصريحات مسؤولين كبار، تقول عنها المصادر الأميركية إنه فقط «للاستهلاك المحلي»، وتقول عنه التجربة إن مصير الاعتدال الإيراني آيل إلى التشدد، وما مسيرة خاتمي التي قد تكون أيضًا مصير روحاني، وهو العزل والتهميش وربما أكثر، لأن حكم رجال الدين ليس له قواعد تساير متطلبات القرن الواحد والعشرين!

آخر الكلام:
التجربة الدولية في إقامة هياكل للأمن الإقليمي متعدد الدول معظمها فشلت، القليل منها الناجح بني على ثقة الأطراف بعضهم مع بعض والتزامهم الصارم بالتعهدات!