,

حمد الماجد: لماذا التشرذم السني؟


حمد الماجد-الشرق الأوسط… تصوروا أن 98 فصيلاً سوريًا أعلنت عن موافقتها على الهدنة التي أعلنتها الدول المعنية لمنح فرصة لتسوية سلمية.

المواقع المعارضة للنظام السوري الفاشي ساقت هذا الخبر في معرض السرور، ولكن الخبر السار حسر عن أمر ضار، فإذا كان هذا الرقم المخيف للفصائل المسلحة التي وافقت على الهدنة، فكم عدد الفصائل المسلحة التي تعارض الهدنة، وهي قطعًا كثيرة وعلى رأسها «داعش» و«النصرة»؟ وكيف ستكون حالها بعد أن يسقط النظام؟ وهل الفصائل التي عجزت عن الاتحاد في وقت اتفاقها على عدو واحد قادرة على الاتفاق حين تكون رؤاها مختلفة حول طريقة الحكم؟

دارت هذه الأسئلة في مخيلتي، وأنا أحضر في فيينا الخميس الماضي اجتماعات مكثفة عقدها مركز «الملك عبد الله العالمي لحوار الأديان والثقافات» لتوحيد قيادات الأقلية المسلمة في جمهورية أفريقيا الوسطى. حضر إلى فيينا قادة الأقلية الإسلامية، وقاد المركز للمرة الثانية، وعلى مدار يومين كاملين، حوارًا فاعلاً ومثيرًا لتقريب وجهات النظر والتركيز على المشتركات وتحديد المختلفات بينهم، وقد بذل المركز جهدًا مضنيًا لتضييق هوة الخلاف بينهم.

بين فصائل المعارضة السورية وممثلي الأقلية المسلمة في جمهورية أفريقيا الوسطى كثير من المشتركات وأعراض المرض، كلتا الفئتين تعرضت شعوبها للتنكيل والتقتيل والتهجير بأعداد كبيرة، وكلتا الفئتين تنتمي إلى دين واحد ومذهب سني واحد، وكلتاهما بذل المخلصون لهما جهودًا كبيرة لتوحيد جهودهما وتقريب وجهات نظرهما، وكلتا الفئتين لم تلن قلوبها للاتحاد رغم دموية الخصم وبشاعة الحال والدماء النازفة، وقل ذات الشيء عن أفغانستان إبان الغزو الشيوعي، فقد أصر قادة كل الفصائل الأفغانية على احتفاظ كل فصيل بموقعه واستقلاليته على الرغم من وحدة الهدف ووحدة الدين والمذهب وحتى المدرسة الفقهية، بل والمرجعية الحركية، ومع ذلك استمر الخلاف بين الفصائل الأفغانية حتى أدى الاحتراب بينها إلى تدمير كابل، وهو ما لم يفعله الاحتلال السوفياتي مع أفغانستان.

والوضع في ليبيا ليس بسوء الوضع في سوريا وجمهورية أفريقيا الوسطى، لكنها الأعراض نفسها؛ فصائل تتقاسم المدن والبلدات والموانئ وآبار النفط وحتى الحارات، ولم يستجيبوا إلى نداء الوحدة وتغليب المصلحة العامة على المصالح الفئوية والحزبية والحركية، هذا مع أن ليبيا يجمع شعبها دين واحد ومذهب عقدي واحد ومدرسة فقهية واحدة، وليس في الأفق بوادر حل.

بل حتى الأقليات المسلمة في دول أوروبا والأمريكتين وأستراليا وفي دول آسيا غير المسلمة، يواجهون تحديات صعبة تلامس أحيانًا أساسات كيانهم، ومع ذلك لم يستطيعوا حتى صنع مؤسسة مظلية واحدة تجمع شتات رأيهم وتوحدهم، وتجعل لهم ممثلاً أمام السلطات الرسمية، وقصارى ما عملوه هو إيجاد عدد من الاتحادات والمنظمات المظلية التي تدعي كل واحدة منها أنها هي التي تمثل المسلمين، في وقت ترى فيه أتباع ملل ونحل أخرى قد نجحوا في لم شتاتهم وتوحيد صفوفهم وأصواتهم على الرغم من الاختلافات العرقية والدينية والمذهبية بينهم مثل الأقليات اليهودية والبوذية والسيخية والهندوسية.

السؤال المؤلم والمحير، لماذا تتفشى ظاهرة التشرذم وشبه استحالة الوحدة وتوحيد الجهود والأصوات في عالم المسلمين عامة والسنة منهم على وجه التحديد؟ أرجو أن أجد عند غيري إجابة قبل أن أدلو بدلوي في مقالة قادمة.