,

راشد العريمي: تركيا وإيران من جديد


راشد صالح العريمي- الحياة… قبل أربعة أسابيع نشرت في هذه الصفحة مقالاً يُحذِّر من تحالف إيراني- تركي، أساسه الاتفاق على تقاسم مناطق النفوذ بينهما داخل العالم العربي. ويبدو أن هذا السيناريو السيئ يسير بخطى حثيثة على أرض الواقع، في ظل ارتباك واضطراب عربيين واضحين، وضبابية في الرؤية لدى كثير من القوى وبعض الدول العربية التي تتعامى عن الواقع، وترفض تصديق ما تراه واضحاً أمام كل من يريد أن يرى.

يتحرك كلا البلدين بشكل محموم لترتيب الأوضاع خلال هذه المرحلة الفاصلة، وقد أقدمَ كل منهما على إجراءات وخطوات غير مسبوقة خلال الأسبوعين الأخيرين، ولا سيما تركيا التي انتقلت بمواقفها من النقيض إلى النقيض، وقفزت على حجر إيران بمباركة من روسيا.

لم تتردد إيران في أن تفتح مطاراتها العسكرية للطائرات الروسية التي تقصف أهدافاً داخل الأراضي السورية، متغاضية عن المادة 146 في الدستور الإيراني التي تحظر مثل هذا السلوك، ومتناسية تاريخاً طويلاً من الخطب الفارغة والتصريحات الرنانة حول عدم تقديم تسهيلات عسكرية لأي قوى أجنبية. والأمر الأكثر أهمية في هذا الصدد هو أن روسيا كانت تملك بدائل عسكرية تمكنها من تنفيذ هجماتها من جنوب روسيا بفارق زمني لا يزيد على ساعتين إذا استخدمت أراضيها وليس الأراضي الإيرانية، كما أن روسيا كان يمكنها أن تُبقي على قواعدها في سورية بدلاً من أن تُقدم على سحبها بعد عملية تدمر.

يضاف إلى ما سبق أن التصريحات من جانب إيران وروسيا بشأن استخدام قاعدة همدان كانت مضطربة وغامضة، ولم توضح ما إذا كانت الضربات الجوية من القاعدة قد انتهت أم ستستأنف من جديد. ومن المؤكد أن الطابع السياسي أكثر حضوراً من الجانب العسكري في هذه الخطوة، وأن إيران تمارس مع روسيا اللعبة ذاتها التي جربتها مع الولايات المتحدة وحققت من خلالها مكاسب سياسية يبدو أثرها في ما حققته من نفوذ متعاظم في العراق وسورية برضا ضمني من جانب الولايات المتحدة الأمريكية.

لم تخرج إيران عن نهجها كثيراً، حتى مع التسهيلات التي قدمتها للطائرات الروسية في قاعدة همدان، لكن الطرف الذي كان مستعداً لتبديل موقفه هو تركيا التي قفزت حرفياً في حجر إيران، ولم تتردد في الدخول على خط التقارب الروسي- الإيراني، آملة في تحقيق أهدافها من خلاله ولو كلفها ذلك الانقلاب على مواقفها السابقة، إلى حد إجراء محادثات للمصالحة مع الرئيس السوري بشار الأسد برعاية إيرانية، كما جاء على لسان إسماعيل حقي تكين نائب رئيس حزب «الوطن» التركي في حواره مع صحيفة «الشرق الأوسط» الذي نشر يوم الخميس الماضي، وذلك بعد أن كانت أنقرة هي أكثر الأطراف رفضاً لبقاء الأسد بأي صورة من الصور.

ويحدث ذلك بالتوازي مع تدخل عسكري تركي مباشر في المعارك الدائرة في الشمال السوري، حيث توغلت الدبابات التركية داخل الحدود السورية إلى جانب ميليشيات تابعة لها لتوقف تمدد النفوذ الكردي، وحددت تركيا الخطوط الحمراء التي لن تسمح للميليشيات الكردية بتجاوزها، وأكدت استعدادها لاستخدام قوات عسكرية أكبر لدى أي تجاوز للخطوط الحمراء.

وعلى رغم أن النظام السوري دان التحركات العسكرية التركية، فإن هناك مباركة خفية لها من جانبه، فيما تواصل الولايات المتحدة الأمريكية مواقفها المتعارضة والمترددة، فتدعم الميليشيات الكردية «قوات سورية الديموقراطية» وتمنحها غطاءً جوياً ودعماً لوجستياً واستخباراتياً في بعض معاركها، لكنها في الوقت ذاته تعلن عن تأييدها الموقف التركي وتحذر الأكراد بدورها من تجاوز خطوط تركيا الحمراء.

نحن إذاً أمام موقف تندفع فيه تركيا وإيران باتجاه تحقيق أهدافهما ومد نفوذهما في العراق وسوريا وربما مناطق أخرى من العالم العربي، وهما لا تترددان في تبديل التحالفات والإقدام على تحولات وإجراءات تتسم بالجرأة، في ظل حضور كبير لروسيا التي تبدو أكثر إصراراً وتصميماً على تأكيد حصتها الكبيرة في رسم مستقبل المنطقة، فيما دخلت الولايات المتحدة الأمريكية متاهة التردد والتخبط إلى الدرجة التي تقلص من أهميتها ودورها.

ويبقى العرب الطرف الغائب عن التأثير في مسار الأحداث، على رغم أنهم أكثر من سيتحمل تبعاتها. ويكتفي العرب بتمني بقاء سوريا والعراق بلدين موحدين، لكن التمنيات لن تُغيّر من الأمر شيئاً، ولا حل إلا بتبلور موقف عربي موحد قبل أن يصبح المشروع التركي- الإيراني أمراً واقعاً. والتعويل على القوى الكبرى، سواء الولايات المتحدة الأمريكية أم روسيا، أثبت أنه لا يقود إلى شيء، وأن غياب المشروع العربي يعني ببساطة أن المشاريع الأخرى ستفرض على العرب.

التحولات الأخيرة لا تغير الكثير بالنسبة إلى إيران، إذ أصبحت مكشوفة أمام العالم العربي الذي يُدرك الآن نواياها. أما تركيا فقد سقطت عنها «ورقة التوت» وبدت سوءاتها لكل من يريد أن يرى، وأعتقد أن الأوهام التي نُسجت عن أي دور لها في دعم المواقف العربية ضد المطامع الإيرانية قد تبددت.

لم يكن هناك في الحقيقة توصيف أكثر زيفاً وتشويهاً لما تشهده المنطقة من محاولة إسباغ الطابع الطائفي عليه، وتصوير الصراع في المنطقة بوصفه صراعاً سنياً- شيعياً. وبناءً على هذا الافتراض الزائف والمغلوط والسيئ النية، يُفترض أن لتركيا، بوصفها دولة سنية، دور في مواجهة إيران بوصفها دولة شيعية. والحقيقة أن أكبر إساءة يمكن أن تلحق بجهود الدول العربية والخليجية الساعية إلى بسط الأمن والاستقرار في المنطقة هي وصفها بأنها جهود «سنّية»، في مواجهة محاولات «شيعية».

إن منطق الدولة والمواطَنة والبحث عن استقرار المنطقة وأمنها هو الدافع إلى ما تبذله دول الخليج وحلفاؤها العرب من جهود لكبح جماح الطموح الإيراني الذي يتخذ من الطائفية ستاراً لمطامع قومية ورغبة في الهيمنة السياسية والاقتصادية، وهي تسعى من خلال الطائفية إلى اختراق العالم العربي وتفتيته من الداخل لتسهل السيطرة عليه. وليس هناك أي فارق بين إيران وتركيا الأردوغانية التي استخدمت الورقة المذهبية أيضاً لتحقيق أهداف قومية مطابقة للأهداف الإيرانية.

وكان هذا واضحاً لكثير من القادة السياسيين والمفكرين والاستراتيجيين والمحللين العرب، لكنهم كانوا يواجهون تشويشاً هائلاً ممن افترضوا لتركيا دوراً في مواجهة إيران بناءً على التوصيف الخاطئ لطبيعة الصراع في المنطقة. وقد حاولت تركيا في وقت من الأوقات أن تؤدي هذا الدور، وقدَّمت استعراضات جوفاء خالية من المضمون ذات طابع شعبوي فج، لكنها وجدت بين الحكومات العربية والجماعات والنخب والأحزاب من ينفخ في هذه السلوكيات الاستعراضية ويصورها وكأنها أرقى مراتب البطولة والإيمان والإخلاص لدين الله وشريعته.

أما وقد سقط القناع الآن، فهل هناك من لا يزال يمتلك من الجرأة والإصرار على المضي في الكذب على نفسه وعلى الآخرين بادعاء أن تركيا يمكن أن تكون حليفاً؟ إنها ليست حليفاً أو طرفاً محايداً، بل هي خصم تتناقض مصالحه مع المصالح العربية تناقضاً جذرياً. ولا بديل من تبلور المشروع العربي القادر على مواجهة تحالفات اللئام، وإحباط ما يسعون إليه من ابتلاع ما يستطيعون من أراضي العرب، وإغراق المتبقي في الضعف والفوضى والصراعات الداخلية المميتة.