,

محمد الرميحي: من انقلب على من في تركيا؟


محمد الرميحي- الأهرام.. ربما لن يفهم العالم الخارجي خفايا محاولة الانقلاب منتصف الشهر الماضي التي وقعت في تركيا، كُتب الكثير حتي الآن عن التفاصيل إلا أن المتابع يجد نفسه أمام محاولة فهم أكثر للإجابة علي سؤال مركزي: من حاول الانقلاب علي من؟ في غمرة تحليل الصحافة الغربية للمحاولة الانقلابية وجدت نفسها تناقش افتراضا لو إن تركيا ليست عضوا في حلف شمال الأطلسي ( الناتو) اليوم، وقدمت طلبا للانضمام، فإنها في الغالب لن تُقبل ! بسبب تطور نظام القبول في هذا الحلف، الذي يشترط اليوم، من بين أمور أخري، الدولة المنظمة ( ديمقراطية وذات نظام اقتصادي حر) وتركيا الحالية، كما تري تلك التحليلات افتقدت روح الديمقراطية، ولم يبق إلا آلياتها الظاهرة، إلا إن الحلف بتركيبته الحالية لا يتوافر علي شروط إنهاء العضوية، وإلا كان قد تم فصلها!.

هناك أسئلة مركزية تطرح، علي الأقل منها اثنان لافتان للنظر، الأول : هو كيف يمكن لحكومة ما أن تعلن ( التطهير ) لهذا العدد الضخم من المواطنين، بلغ حتي الآن نحو مائة ألف شخص، عسكري ومدني في السلك العام أو القضائي أو التعليم، وتغلق 934 مدرسة و 15 جامعة ، و104 منظمات و 1225 جمعية أهلية ومصادرة أموالها، في فترة أسابيع فقط من الانقلاب ! لا بد أن هناك قوائم كانت جاهزة، أو علي الأقل معظمها جاهز للتصفية بهذا القدر والحجم؟.

لا بد من القول إن (الانقلابات الاربعة التركية الناجحة ) التي قام بها العسكر منذ إنشاء الدولة الحديثة في تركيا، بعد الحرب العالمية الأولي ،كانت تنحو إلي التصفيات، إلا إن الحجم الذي اتُخذ فيما بعد المحاولة الأخيرة، يعتبر هائلا بكل المقاييس.

اما السؤال الثاني فهو كيف يمكن للجيش التركي ( الذي عرف بعدائه التاريخي للإسلام السياسي)، أن يكون أداة فيما عرًفته الدولة التركية بـ (الدولة الموازية) أي مجموعة السيد فتح الله جولن الإسلامية ! وهي جزء لا يتجزأ حتي السنوات الأخيرة، من دعم حزب العدالة والتنمية الحاكم، بل يذهب البعض إلي القول إن نجاح الحزب في الانتخابات التي أوصلته أول مرة إلي الحكم عام 2002 كانت بدعم غير مستور من الآلية الانتخابية التي تملكها حركة جولن! إلا ( استدراكا) إذا افترُض أن العدالة والتنمية قد ادخل عناصر حسبها موالية لاحتواء الجيش، فظهر إنها موالية لحركة جولن ! وذلك ملف أكبر وأخطر!!.

حقيقة الأمر إن حركة جولن هي الحاضنة الأوسع لحزب العدالة، المعركة بين جناحين كل يريد رأسه أن يكون الأول !! الآن كيف ينسجم أولا مع ثانيا ! هنا بيت القصيد، وربما أيضا يطرح سؤال مهم وجوهري لنا نحن العرب ! هل حكم الشعوب اليوم يمكن أن يعتمد علي مقولات مطلقة في التراث ! إما أن ذلك يحتاج إلي أدوات حديثة، لا تركن إلي الماضي بل تنظر إلي المستقبل، أي جعل الإيدولوجيا الدينية (وهي مهمة للشعوب) في حالة حياد تجاه السياسة! الحقيقة أن ( الدولة الموازية) التي يتحدث عنها النظام التركي الحالي، هي دولة ترعرعت برضاء و باستخدام الجناح السياسي منها وهو حزب العدالة والتنمية للوصول إلي الحكم، و حركة جولن تبعت في التنظيم و التركيب و حتي الإيدولوجيا ( مع شيء من المحلية التركية) تبعت تركيبة وتنظيم حركة الأخوان المسلمين المصرية. فقد كان هناك دولة موازية في مصر، تنامت بعد المصالحة المشهورة بين نظام الرئيس السادات وبين حركة الإخوان، حتي أصبحت الأخيرة متحكمة في الاقتصاد الموازي في مصر، و في السنوات الأخيرة من حكم مبارك، وخاصة بعد انتخابات عام 2005 ظهرت شركات وبنوك و مؤسسات تابعة للحركة، وأصبح العنوان الإسلامي هو العنوان الأكثر ثقة لدي أبناء الشارع.

القصة في تركيا مختلفة جزئيا ولكن متشابهة، فالذئب الذي ركبه حزب العدالة والتنمية كي يصل إلي الحكم ويروج لإيدولوجيته، قرر أن يأكل راكبه، و بالتالي كان علي الراكب أن يتغدي بالذئب قبل أن يعرض هو علي مائدة عشائه الأخير!.
فالتصفيات الكبري التي تمت حتي الآن في تركيا هي تصفية حسابات معد لها منذ فترة، كانت مظاهرها معروفة ومتدرجة، فقد كانت حركة جولن في الغالب وراء اضطرابات 23 مايو 2013 التي كانت في الظاهر حركة احتجاج علي تحويل ميدان جنزي إلي منطقة تجارية في إسطنبول، إلا أن الشد والجذب سبق ذلك وتبعه في عدد من الصدامات، بعضها مع الإعلام وبعضها مع مؤسسات أهلية وأحزاب، وبعضها استخدم فيه جماعات ليبرالية لها موقف من مفهوم الإسلام السياسي، إلا أن الاستفادة منها كان جائزا من الجانبين. انفتاح حزب العدالة والتنمية علي حركات الإسلام السياسي العربية ( مصر، المغرب، تونس ) بعد ما عرف بالربيع العربي كان واضحا حتي في التسميات، فقد شكلت حركة الإخوان في مصر حزب ( الحرية العدالة)! بشكل سريع وربما ساذج.

كما شكلت حركة الإسلام السياسي في المغرب حزب العدالة التنمية ! هكذا بلا اجتهاد محلي !!.
إذا ما يحدث في تركيا ليس محاولة انقلاب تقليدية وردة فعل عليها، و لا هو صراع سياسي، الموضوع الأكبر الذي طُرح ويُطرح في زماننا بكل قوة مفاده، ما هي العلاقة الأفضل بين الإسلام كتراث و دين للأغلبية في المنظقة، وبين السياسة! وما هي الحدود المسموحة أو الممنوعة للاستخدام النفعي بين اتباع الاثنين؟ هذه المسألة، لن تحل في أوساط السياسيين، لأنهم مشغولون بالحفاظ علي امتيازاتهم، ولكن مطلوب مناقشة الأمر خارج النطاق السياسي والمصلحة المباشرة، يمكن أن يكون في مراكز البحث و بين رجال الفكر و أساتذة الجامعات.

ليس سهلا ما سوف تواجه تركيا في المستقيل، وليس سهلا أيضا تأثير ذلك علي الجوار خاصة العربي، إلا أن ما يظهر حتي الآن إن أمراض الثقة المفرطة بالنفس قد تتفاقم ! وإن تجربة الخلط العشوائي بين التراث وبين السياسة، قد توصل البعض إلي السلطة، ولكنها في نفس الوقت تكون السبب الرئيسي في نزعها!.