,

من مهاجر إلى صاحب إمبراطورية أعمال قيمتها مليار إسترليني


سوزان بيرن- بي بي سي.. يشعر باريش دافدرا بالغبطة لوجود دراجة نارية جديدة من طراز “هارلي دافيدسون” تنتظره في موقف سيارات أحد الأصدقاء.

وليست هذه علامة من علامات أزمة منتصف العمر كما يقول دافدرا عن نفسه، ولكن الدراجة هدية من زوجته في ذكرى يوم زواجهما في أغسطس/آب الماضي.

لكن لا يزال أمامه اختبار واحد قبل أن يحصل على رخصة قيادة دراجة نارية، ومن ثم يمكنه أن يمضي بها مسرعاً في أنحاء لندن لحضور الاجتماعات المختلفة.

ويعيش دافدرا، وهو مهاجر من أصول هندية، وصاحب ومؤسس شركة الصرافة المالية “راشيونال أف إكس” التي حققت عائدات بلغت أكثر من مليار جنيه إسترليني (1.3 مليار دولار) العام الماضي، حياة مختلفة تماما عن حياة والديه وأجداده، الذين أرغموا على الفرار من أوغندا عام 1972 عندما أعطى الدكتاتور عيدي أمين السكان الآسيويين مهلة 90 يوماً لمغادرة البلاد.

“لقد جاؤوا إلى المملكة المتحدة لا يحملون معهم سوى 50 جنيهاً”، كما يقول دافدرا الذي يتحدث بهدوء ولطف، مضيقاً: “كان لدى جدي دكان خياطة خاص به، ولكن كان عليهم أن يتركوا كل شيء وراءهم”.

تكاتفت عائلته وتمكنت من شراء منزل في هارو في شمال لندن، حيث تمكن والده من العثور على وظيفة كاتب، ولاحقاً عمل كموظف لدى شركة صرافة أجنبية.

وقد سرت روح النضال والمثابرة إلى الصغير دافدرا في ذلك الوقت، ويضيف: “لم نتعود على أن يعطينا أحد أي شيء. وإذا أردتُ شيئاً فعلي العمل من أجل الحصول عليه”.

باريش دافدرا المؤسس المشارك لشركة راشيونال أف إكس عام 2005 باريش دافدرا المؤسس المشارك لشركة راشيونال أف إكس عام 2005

ومنذ عمر 16 سنة، قضى دافدرا العطل المدرسية متنقلاً في العمل بين متجر لبيع الهواتف، ومركز للتسويق عبر الهواتف، وبعد انتهاء الفصل الدراسي في جامعة ميدلسيكس، كان يعمل في شركة والده وتولى فيها أدواراً مختلفة.

وفي الجامعة درس التسويق وعلوم الكمبيوتر، لكنه يقول إنه لا يشعر بالتوافق بينه وبين التكنولوجيا.

ويقول ضاحكاً: “إذا أخبرت فريقي أنني أحمل هذه الشهادة، فلن يصدقوك. فأنا على الدوام أتصل بقسم تكنولوجيا المعلومات من أجل مساعدتي في توصيل جهاز الكمبيوتر بالطابعة”.

في نفس الوقت، استقال أغراوال الذي كان يعمل كمدير لتكنولوجيا المعلومات في تلك الشركة. ويقول دافدرا: “عندما قرر ترك العمل، ألححت عليه، وقلت له ‘ما الذي تفعله؟”.

والتقى كلاهما لتناول القهوة واتفقا بسرعة على السعي لإنشاء شركة جديدة. وكانت الفكرة هي توفير خدمة للزبائن الذين يشترون عقارات في الخارج بخصوص احتياجاتهم من العملة.

ويقول دافدرا: “كل شيء كنا نقوم به في الشركة القديمة كان بطريقة يدوية، لكننا اعتقدنا أننا يمكن أن نقدم الخدمة ذاتها عبر الإنترنت”.

لكن شركتهم الجديدة واجهت تحدياً حقيقياً، وهو الدعم المالي. فلم يكن قد مضى على تخرج دافدرا في الجامعة سوى عام واحد، وسبق أن أخذ قرضاً شخصياً من البنك لشراء سيارة بي أم دبليو.

وعندما تقدم أغراوال بخطة إنشاء الشركة إلى البنك طالباً قرضاً بقيمة 10 آلاف جنيه إسترليني، قوبل طلبه بالرفض فوراً. لكنه عاد بعد أيام وطلب قرضاً قيمته 20 ألف استرليني لشراء سيارة، وكان جواب البنك بالموافقة.

ويتابع: “وبعدها قمت ببيع سيارتي البي أم دبليو، وهكذا أصبح لدينا ما نحتاجه من المال عن طريق الفرق بين سعر السيارتين”.

مقر شركة  يقع مقر “راشيونال أف إكس” في بناية كناري وارف في لندن

وكما يقول دافدرا، 37 عاماً، والذي انتقل أيضاً إلى بيت السيد أغراوال لتوفير أجرة السكن.

وبعدما جمع الاثنان مبلغ 32 ألف جنيه، أطلقا شركة الصرافة للعملات الأجنبية “راشيونال أب إكس” عام 2005.

ويستذكر دافدرا ما حصل قائلاً: “عملنا بواسطة الهاتف على البحث عن وكلاء عقار، وحرصنا على حضور كل الأنشطة، والمؤتمرات، والمناسبات المتعلقة بالعقارات. وكنا نبدأ العمل في المكتب من الثامنة صباحاً، حتى ساعات المساء”.

وكانت ضربتهم الكبرى عندما وقعوا اتفاقات مع عدد من وكلاء العقارات الذين رغبوا في بيع عقارات في دبي. لكن بعد سنتين من تأسيس الشركة، حدثت الأزمة المالية. ويتذكر دافدرا بوضوح كيف غيرت الأزمة المالية طريقة تفكيره الغضة.

ويضيف: “كنت في السابعة والعشرين من العمر، وكان الاستثمار ناجحاً، وكنت أحث الخطى في طريقي نحو الثراء. هذا كل ما فكرت فيه. لم يكن الأمر متعلقاً ببناء شركة فهذا يأتي مع الوقت ومع نضوج الإنسان. لكن الأزمة المالية نبهتني إلى أنه ينبغي علي إنشاء شركة. لقد كانت بمثابة منحنى جيد علمني درساً مهماً في حياتي”.

تأثرت شركة راشيونال أف إكس بالأزمة المالية، حيث تباطأ نموها. لكنها تجاوزت ذلك طريق الإتجاه إلى التنوع.

اليوم يتراوح زبائنها ما بين الأفراد الأثرياء الراغبين في شراء عقارات أو استثمار أموالهم، إلى الأعمال متوسطة الحجم مثل الشركات التي تصدر السيارات أو تستورد الأنسجة.

وحققت الشركة عائدات حجمها 1.3 مليار جنيه استرليني عام 2016، مقارنة بـ 1.1 مليار عن العام الذي سبقه، وأرباحاً قبل الضريبة قيمتها 2.3 مليون جنيه، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى إعادة الشركة الاستثمار بكثافة في مجال عملها، كما يقول دافدرا.

موظفو شركة راشيونال أف إكس توظف راشيونال أف إكس 110 أشخاص

وبعد تحقيقهما النجاح مع راشيونال أف إكس، كان لدى المؤسسين فكرة لإنشاء شركة في الخارج، هي منصة تحويل أموال عبر الإنترنت موجهة إلى الأفراد الذين يحولون مبالغ مالية صغيرة لعائلاتهم في الخارج.

“شعرنا أن راشيونال أف إكس تحقق عائدات، لكن الشركة الجديدة (إكسندباي) كانت تتخذ طابع المبادرة الإجتماعية، لمحاولة خفض سعر العمولة للناس الذين يكدحون لمساعدة عائلاتهم على الخروج من الفقر”. وتتخذ شركة إكسندباي نموذج “إدفع ما تريد”، رغم أنها تقترح عمولة في الحد الأدنى بمقدار 0.3 -0.4 في المئة من المبلغ الذي يتم تحويله.

ويقول السيد دافدرا إن أكثر من 70 في المئة من المستخدمين يدفعون الرسوم المقترحة كحد أدنى، بينما 10 في المئة يدفعون أكثر من ذلك، أما الباقين فلا يدفعوا شيئاً.

هذه المنصة لا تحقق أرباحاً حتى الآن، رغم أن السيد دافدرا يتوقع أن تتساوى التكلفة مع الربح العام القادم، ويقول: “كانت نوعاً من المقامرة لكنها مجازفة لدينا الرغبة في الإقدام عليها”.

نمو متواصل

غادر السيد أغراوال الشركة العام الماضي بعد تعيينه نائباً لعمدة لندن لشؤون الأعمال. لكنه لا يزال يملك 70 في المئة من الشركة، ويعمل مديراً غير تنفيذي لها، بينما يملك دافدرا بقية الأسهم.

ويقول دافدرا إنه “يفتقده ويشتاق إليه”. ويضيف: “بعيداً عن العمل، خلال السنوات الإثنتي عشرة الأخيرة، حافظنا على علاقات طيبة. إنه صديق مقرب للغاية”.

حالياً لا يوجد خطط لبيع راشيونال أف إكس، رغم أن شركات الأموال تتقدم بعروض لشرائها “بمعدل مرتين في اليوم”.

ويقول دافدرا: “علاماتنا التجارية مازالت في طور النمو، ومازالت حديثة السن. أما بالنسبة لبيعها فالأمر يتعلق بالفرصة السانحة”.

وعلى الرغم من ميله لاقتناء الدراجات البخارية، والسيارات الثمينة، إلا أن دافدرا الذي لا يزال يعيش في هارو، شخص متواضع، ويقول: “أعتقد أننا متواضعون جداً. نحن طبقة عاملة، إننا نقوم بمجرد أعمال عادية. هذه هي الطريقة التي تربينا عليها”.