,

فيصل العساف: فوبيا الإمارات


فيصل العساف- الحياة.. الناس هم شهود الله في أرضه، والبشر بطبيعتهم لا يكادون يجتمعون على محبة شخص أو الثناء عليه إلا في حالات قليلة، ويبقى مؤسس دولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان واحداً من هؤلاء النوادر الذين تطيب في ذكرهم الكلمات جراء مواقفهم النبيلة، ليس على دولته الناشئة التي أضحت واحدة من ملهمات التحضر والبناء في التاريخ الحديث، وليس بسبب بذله وحرصه الشديد على مواطني بلاده أو المقيمين فيها فحسب، ولكن صروح الخير الممتدة في شرق الأرض ومغربها تبقى شاهداً أيضاً على خيرية تلك البلاد وشيوخها وشعبها على امتداد تاريخها الضارب في الحكمة، المتجذر في العطاء.

أخيراً، ومن نتائج «ربيع العرب» الذي قلب موازين كثير من المسلمات بسبب تداخل المصالح واشتباكها، فإنه قد يبدو طبيعياً أن تخرج بعض الأصوات النشاز التي ترمي سهام التشكيك في اتجاه الثوابت، بوسائل لا يمكن حجب غاياتها «الطموحة» التي تسعى إلى استغلال توقيت الألم والجراح التي تنزف في محيطنا الإقليمي، لأجل تحقيق مكاسب فئوية حزبية ولو على حساب الأوطان والإنسان، لذلك فإن الإمارات كانت ولا تزال في مرمى الاستهداف الممنهج، بغية الإطاحة في أهم مصادر الأمن العربي – الشحيحة أصلاً – التي تعضد بكل استبسال وتضحيات مشرفة مواقف شقيقتها الكبرى وعمقها الاستراتيجي السعودية.

تاريخياً يمكننا نبش صفحات الاختلاف في وجهات النظر بين البلدين على قضايا عدة، كانت وقت رغد العيش محلاً للتجاذب بين الأطراف، لكننا في واقع الأمر لن نستطيع شطب روح التآخي والاحترام التي لم تغب عن مشهد المصلحة وإن تباينت الرؤى.

ولأن الرجال الحقيقيين تصنعهم المواقف، فإن الشرفاء السعوديين اليوم لا يستغربون هذه الوقفات الشجاعة لأبناء زايد على وجه العموم، الذين يتقدمون الحشود في تغليب مصلحة الأمة على المصالح كافة، يبذلون في سبيل ذلك كل ما يستطيعون، جنباً إلى جنب مع إخوانهم في السعودية، تشهد لهم بذلك دماء أبنائهم وأراوحهم التي فاضت على أرض اليمن.

ولأن الحديث عن الرجال، فإن السعوديين يثمنون – بلا شك – في هذا الصدد تقدير رجالات الإمارات للظروف العالمية التي تحد من الرغبة الملحة في كبح التجاوزات بحق قياداتهم من بعض المحسوبين على السعودية، تحت بند التشويه المبتذل، بحجة الحق في التعبير وإن بالكذب والتضليل، مما ليس يدلل إلا على مقدار الألم الذي أحبط المخططات الرامية إلى شق الصف، وحرف الانتباه بغباء عن القضايا الأصيلة التي تدافع عنها بقوة السعودية ودولة الإمارات، ذلك أن الرهانات الحزبية في شكلها الديني على السعودية بعد وفاة الملك عبدالله كانت بمثابة الأمنيات، التي غابت عنها الحسابات المدروسة بسبب تعاقب الهزائم والضربات، خصوصاً بعد توأم انتصاراتها بين تونس ومصر، والحقيقة التي لا تغيب هي أن قواعد اللعبة التي شاء البعض لها أن تتبدل بحزم سلمان، باتت اليوم أشد وقعاً على المتضرر من ذي قبل، ولا عزاء للمقتاتين على الفتن من عاهات الرهاب الفكري في كل مكان.

في الختام، لعله من المناسب سوق ما أوصى به الشيخ محمد بن زايد نائب حاكم أبوظبي مرافقيه للدلالة على عمق الأواصر بين البلدين، والتي يرويها أحد شهودها، فيقول: قبل بضعة سنوات، وبينما كنا في الطائرة في رحلة عودتنا من السعودية بعد جولة مباحثات – تبدو خلافية – على واحدة من القضايا، لم يكن بن زايد ليفوت ساعتها فرصة التأكيد على متانة الروابط التي تجمع البلدين، مضمناً كلماته تعداد مآثر القيادة السعودية بإسهاب، وهو ما فهم من خلاله الحاضرون أن عمق العلاقة يرجّح كفة المصير المشترك على ما سواه، في الإطار الذي لا يقبل المساومة في كل الأحوال، وبأي ظرف من الظروف، بحسب الراوي.